السيد كمال الحيدري

163

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

أن نعمّم تلك الظاهرة للحالات المماثلة لتلك التي امتدّ إليها الاستقراء والمشابهة لها في كلّ ما ندركه من المقومات التي يمكن أن تكون ذات أثر في تكوين تلك الظاهرة . ويؤكّد المنطق الأرسطي أن التعميم الأول ليس صحيحاً من الناحية المنطقية ، إذ ما دامت الحالات التي لم يشملها الاستقراء تختلف في بعض الخصائص الملحوظة والمقوّمات عن الحالات التي استقرأناها ، فليس من حقّنا أن نستنتج استقرائياً أنها جميعاً تشترك في إيجاد ظاهرة واحدة ، لأنّ من الممكن أن يكون اختلافها في الخصائص والمقوّمات سبباً لاختلاف نوع علاقتها بتلك الظاهرة . فإذا استقرأنا مثلًا كلّ أنواع الحيوان البرّي فوجدنا أنها تحرّك عند المضغ فكّها الأسفل ، لم يكن بإمكاننا أن نعمّم هذه الظاهرة ( أي تحريك الفكّ الأسفل عند المضغ ) على حيوان بحريّ كالتمساح مثلًا ، لأنّ التمساح يختلف عن الحيوانات التي استقرأناها في الخصائص والمقوّمات ، فبالإمكان أن يختلف عنها في هذه الظاهرة أيضاً . قال الغزالي : « ولا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهداً على الحكم إذا أمكن أن يشذّ عنه شيء ، كما لو حكم إنسان بأنّ كلّ حيوان يحرّك عند المضغ فكّه الأسفل لأنّه استقرأ أصناف الحيوانات الكثيرة ولكنّه لم يشاهد جميع الحيوانات ، لم يأمن أن يكون في البحر حيوان هو التمساح يحرّك عند المضغ فكّه الأعلى على ما قيل . وإذا حكم بأنّ كلّ حيوان سوى الإنسان فنزواته على الأنثى من وراء بلا تقابل الوجهين لم يأمن أن يكون سفاد القنفذ وهو من الحيوانات على المقابلة لكنه لم يشاهده . فإذن حصل من أن الاستقراء التام يفيد العلم والناقص