السيد كمال الحيدري
160
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
الاستقراء . وإذا جاز نظرياً تفسير الاقتران بين الحرارة والتمدد في التجربة على أساس الصدفة جاز استعمال التفسير نفسه إذا تكرّر الاقتران في التجربة الثانية أيضاً ، لأنّ ما يجوز عقلًا في التجربة الأولى يجوز في التجربة الثانية أيضاً . وهكذا يظلّ احتمال الصدفة قائماً من الناحية المنطقية فلا يمكن للاقتران بين الظاهرتين مهما تكرّر أن يبرهن على السببية بينهما . وثالثاً : إذا أتيح للدليل الاستقرائي أن يثبت السببية العامّة في الطبيعة وأن يبرهن أن « أ » هو سبب « ب » التي اقترنت به خلال الاستقراء ، أي أن الحرارة هي سبب التمدّد في الحديد مثلًا في الحالات التي شملها الاستقراء ، فيجب عليه أن يثبت أن هذا السبب سوف يظلّ في المستقبل وفي كلّ الحالات التي لم تشملها التجربة فعلًا سبباً لتلك الظاهرة ، إذ بدون إثبات ذلك لا يمكن أن نصل إلى تعميم شامل يؤكّد أنه كلّما وجد « أ » في عالم الطبيعة اقترن به وجود « ب » . هذه مشاكل ثلاث يمكن أن تثار عادة عند محاولة تفسير الدليل الاستقرائي وتبرير الطفرة التي يستبطنها . مهمَّة المنطق الأرسطيّ والمنطق الأرسطي لم يعالج على الصعيد المنطقي إلا المشكلة الثانية من هذه المشاكل كما سنعرف . أما المشكلة الأولى والثالثة فقد عولجتا فلسفياً على صعيد الفلسفة العقلية التي يؤمن بها المنطق الأرسطي ، وذلك لإيمانه بوجود معارف عقلية مستقلّة عن الحسّ والتجربة ، ومن أجل ذلك يتبنّى الفلسفة العقلية التي تعالج تلك المعارف العقلية القبلية