السيد كمال الحيدري
143
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
الوهميَّات وهي قضايا كاذبة ينفيها العقل ولكن ينساق الإنسان إلى التصديق بها نتيجة لُالفته للمحسوسات واعتياده على أحكامها ؛ من قبيل حكم الوهم بأنّ كلّ موجود لابدَّ أن يكون مشاراً إليه وله وضع وحيّز ولا يمكنه أن يمثّله إلا كذلك ، حتى أنه يتمثّل الله تعالى في مكان مرتفع علينا وربما كانت له هيئة إنسان مثلًا ، ويعجز أيضاً عن تمثيل القبلية والبعدية غير الزمانية ويعجز عن تمثيل اللامتناهي ، فلا يتمثّل عنده كيف أن الله تعالى كان وليس معه شيء حتى الزمان وأنه سرمديّ لا أوّل لوجوده ولا آخر ، وإن كان العقل حسبما يسوق إليه البرهان يستطيع أن يؤمن بذلك ويصدّق به تصديقاً لا يتمثّل في النفس ، لأنّ الوهم له السيطرة والاستيلاء عليها من هذه الجهة . فإن كان الوهم مسيطراً على النفس على وجه لا يدَع لها مجالًا للتصديق بوجود مجرّد عن الزمان والمكان فإن العقل عندما يمنعها من تجسيمه وتمثيله كالمحسوس تهرب النفس من حكم العقل وتلتجئ إلى أن تنكر وجوده رأساً شأن الملحدين . من أجل هذا كان الناس لغلبة الوهم على نفوسهم بين مجسّم وملحد ، وقلّ من يتنوّر بنور العقل ويجرّد نفسه عن غلبة أوهامها فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم . ولذا قال تعالى : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( يوسف : 103 ) فنفى الإيمان عن أكثر الناس ، ثم هؤلاء المؤمنون القليلون قال عنهم : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( يوسف : 106 ) يعني أنهم في حين إيمانهم مشركون ؛ وما ذلك إلا لأنهم لغلبة الوهم إنما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم . والسرّ في ذلك أن الوهم تابع منقاد للحسّ ومكبّل به ، فما لا يقبله الحسّ لا يقبله الوهم إلا لابساً ثوب المحسوس . من هنا ترى أن الأكثر