السيد كمال الحيدري
127
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
إخبارية وليست تكرارية ، والاستحالة التي يحكم بها ليست مستبطنة في اجتماع النقيضين . بمعنى أننا حين نقول « إنّ اجتماع النقيضين مستحيل » لا نستخرج هذه الاستحالة من مفهوم اجتماع النقيضين نفسه ، لأنها ليست من عناصر هذا المفهوم ، ولهذا كان قولنا ذلك يختلف عن قولنا « اجتماع النقيضين هو اجتماع النقيضين » . وهذا الفارق المعنوي بين القولين يبرهن على أن القول الأول ليس مجرّد قضية تكرارية . وما دام مبدأ عدم التناقض قضية إخبارية تركيبية فالمشكلة تعود من جديد ، لأنّ المنطق التجريبي مطالب عندئذ بتفسير الضرورة واليقين في هذه القضية الإخبارية . فإن زعم أن هذه القضية الإخبارية مستمدّة من التجربة كسائر القضايا الطبيعية أصبح عاجزاً عن تفسير الفرق بينها وبين القضايا الطبيعية ، وإذا اعترف المنطق التجريبي بأنّ مبدأ عدم التناقض يعبّر عن معرفة عقلية سابقة على التجربة ويستمدّ ضرورته من طابعه العقلي الأصيل كان هذا يعني هدم القاعدة الأساسية في المذهب التجريبي وإسقاط التجربة عن وضعها الأساسيّ للمعرفة البشرية . بكلمة أخرى : إننا نسأل : هل قضية « أ » هي « أ » التي يعترف المنطق الوضعي لها باليقين بوصفها تكرارية ، تساوي قولنا ( « أ » من الضروريّ أن تكون « أ » أو من المستحيل أن لا تكون « أ » ) ، أو تساوي قولنا ( « أ » هي « أ » فعلًا ) دون أن نحكم بضرورة الإثبات أو استحالة النفي ؟ فإن كانت تساوي القول الأول فهي قضية إخبارية وليست تكرارية ، لأنّ الضرورة والاستحالة ليست متضمّنة في مفهوم « أ » الذي هو موضوع القضية . وإن كانت تساوي القول الثاني فهذا يعني الاعتراف بتجريدها من عنصر الضرورة وجعل القضية القائلة « الماء هو ماء » على مستوى القضية القائلة