السيد كمال الحيدري
101
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
إلى أساس غير تجريبي وهو ما يسمّيه بمبدأ الاستقراء . فالرأي عند كثيرين ومنهم رسل كما بيّنا هو أن التجربة الحسّية وحدها لا تكفي ، ولابدَّ لنا إما أن نقبل مبدأ الاستقراء على أساس التسليم بصحّته فنعتبره دالًّا بنفسه على صدق نفسه ، وإما أن نبحث عبثاً عن مبرّر يبرّر أن نتوقّع حوادث المستقبل قبل وقوعها على أساس خبرة الماضي . فسؤالنا الآن هو : هل يجوز لنا الحكم بصحّة الاستدلال من حوادث الماضي على حوادث المستقبل دون الرجوع إلى أيّ مبدأ عقليّ قبليّ ، كمبدأ الاستقراء الذي اقترحه رسل ؟ هل هناك مبرّر عقليّ يحتّم أن تجيء التجربة الجديدة مشابهة للتجارب الماضية ؟ ونحن دفاعاً عن المذهب التجريبي نسأل بدورنا : ماذا يريد هؤلاء بقولهم « مبرّر عقليّ ؟ » إذ نرى أنَّ المشكلة كلّها متركّزة في المراد بهاتين الكلمتين ، فالذين يقولون إن تجربة الماضي وحدها ليس فيها مبرّر عقليّ يجيز أن نحكم في ضوئها على المستقبل ، يريدون بهاتين الكلمتين ( مبرّر عقليّ ) صدقاً يقينياً في النتيجة ، أو قل إنهم يريدون بهما أن يكون الاستدلال استنباطياً نتيجته محتواة في مقدّماته ، وبذلك يستحيل أن تتعرض للخطأ . . . ومن الواضح أنَّ الاستقراء لا يكون فيه مبرّر عقليّ بهذا المعنى لأنّ الاستقراء ليس استنباطاً . لكن لماذا نفهم المبرّر العقلي بهذا المعنى ؟ إنها لا تعني ذلك في العلوم ولا في الحياة الجارية ، فلو قيل لي في الحياة الجارية أن « أ » سيلاعب « ب » وأنا لا أعرف عن « أ ، ب » إلا أنهما لعبا ستّ مرّات فيما سبق ، فكسب « أ » في أربع منها وكسب « ب » في اثنين ، فإن هنالك مبرّراً من هذه الخبرة الماضية يبرّر لي أن أقول بأنّ « أ » سيكسب اللعب هذه