السيد كمال الحيدري
406
اللباب في تفسير الكتاب
يطلب من الله تعالى أن يكون من الذين أنعم الله عليهم أوّلًا ، ثمّ يطلب منه أن لا يكون منحرفاً انحراف أولئك المتمرّدين على الله ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) بل ولا حتّى أن يكون منحرفاً بأىّ شكل من أشكال الانحراف ( وَلَا الضَّالِّينَ ) . البحث الثالث : ما هي النعم التي أنعم الله بها عليهم ؟ عرفت سابقاً معنى النعمة لغة : إلّا أنه يمكن أن يقال إنّ في هذه الكلمة شيئاً من معنى اللين والطيب والملاءمة ، فكأنها مضمّن فيها معنى النعومة . وهى تنقسم إلى نعم ظاهرية وباطنية ، كما قال تعالى : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ( لقمان : 20 ) . والقرآن لا يعدّ العطايا الظاهرية كالمال والجاه والأزواج والأولاد ونحوها نعمة بنحو الإطلاق للإنسان ، وإنّما هي كذلك إذا وقعت في طريق السعادة وانصبغت بصبغة الولاية الإلهيّة وصارت في طريق القرب إلى الله تعالى ، وأمّا إذا وقعت في طريق الشقاء وتحت ولاية الشيطان فإنّما هي نقمة وليست بنعمة ، والآيات في ذلك كثيرة . نعم ، إذا نسبت إلى الله سبحانه فهي نعمة منه وفضل ورحمة ، لأنّه خير محض لا يفيض منه إلّا الخير ، ولا يريد في موهبته شرّاً ولا سوءًا ، وهو رؤوف رحيم ودود ؛ قال تعالى : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) ( إبراهيم : 34 ) والخطاب في الآية لعامّة الناس ، وقال : ( وَذَرْنِى وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ) ( المزمل : 11 ) وقال : ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) ( الزمر : 49 ) فهذه وأمثالها نعمة إذا نسبت إليه تعالى ، لكنها نقمة إذا نسبت إلى الكافر بها ؛ لقوله : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ ) ( إبراهيم : 7 ) .