السيد كمال الحيدري
401
اللباب في تفسير الكتاب
المعاد دون الفعل الأوّل ، تجد له من الروعة والبهجة ما لا تجده لتعليقه بالفعل الأوّل دون إعادة ، وليست الإعادة في مثله لمجرد التوكيد لأنّه قد زيد عليه . البحث الثاني : من هم المنعم عليهم والمغضوب عليهم والضالّون ؟ قبل بيان ذلك ، لا بأس بالإشارة إلى أصل قرآنىّ ، وهو أنّ من أهمّ مميزات هذا الكتاب الإلهى أنّه يحاول بيان المفهوم من خلال الإشارة إلى مصاديقه ليكون أكثر وضوحاً وأسهل اقتداءً وتطبيقاً ، كما في قوله تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ( البقرة : 177 ) ، فإنه عرّف البرّ ببيان من هم الأبرار . ولعلّ هذه هي النكتة في هذه الآية حيث عرّفت الصراط المستقيم من خلال بيان المصاديق الخارجية لذلك ، فذكرت صفاتهم الإيجابية من خلال قوله : ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) والسلبية من خلال : ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) . أمّا المنعم عليهم ، فقد بيّن تعالى بعض مصاديقه في قوله : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ) ( النساء : 69 ) . وكذلك ما ورد في قوله تعالى : ( أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ) ( مريم : 58 ) .