السيد كمال الحيدري
400
اللباب في تفسير الكتاب
البحث الأول : الآية بدل من الآية السابقة تعتبر الآية بدلًا من قوله : ( الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ويمكن أن تكون النكتة في جعل نظم الآية بهذا النحو دون أن يقال : ( اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم . . . ) هي ما في أسلوب الإبدال من الإجمال المعقب بالتفصيل ، ليتمكّن معنى الصراط للمطلوب فضل تمكّن في نفوس المؤمنين الذين لقّنوا هذا الدعاء ، فيكون له من الفائدة ما للتوكيد المعنوي . وأيضاً لما في هذا الأسلوب من تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيق مفهومه في نفوسهم ، فيحصل مفهومه مرّتين ، فيفيد فائدة التوكيد اللفظي أيضاً . قال الزمخشري : « ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) بدل من ( الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وهو في حكم تكرير العامل . فإن قلت : ما فائدة البدل وهلّا قيل : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ؟ قلت : فائدته التوكيد ؛ لما فيه من التثنية والتكرير » . والمستفاد من كلامه أنّ فائدة الإبدال أمران يرجعان إلى التوكيد ، وهما ما فيه من التثنية أي تكرار لفظ البدل ولفظ المبدل منه ، وعنى بالتكرير ما يفيده البدل عند النحاة من تكرار العامل فكأنه قيل : « ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم » . وسمّاه تكريراً لأنّه إعادة اللفظ بعينه ، بخلاف إعادة لفظ المبدل منه فإنّه ليس كذلك . ولذلك عبّر بالتكرير والتثنية ، ومراده أنّ مثل هذا البدل وهو الذي فيه إعادة لفظ المبدل منه يفيد فائدة البدل وفائدة التوكيد اللفظي . ومن الواضح أنّ إعادة الاسم في البدل ليُبنى عليه ما يُراد تعلّقه بالاسم الأوّل ، أسلوب بديع بليغ لإشعار إعادة اللفظ بأنّ مدلوله محلّ العناية وأنّه محبوب إلى النفس ، ومثله تكرير الفعل كقوله تعالى : ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) ( الفرقان : 72 ) وقوله : ( رَبَّنَا هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ) ( القصص 63 ) فإنّ إعادة فعل ( مرّوا ) وفعل ( أغويناهم ) وتعليق المتعلّق بالفعل