السيد كمال الحيدري

39

اللباب في تفسير الكتاب

كيف استوى ؟ قال الراوي : فما رأيت مالكاً وجد من شئ كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء ( يعنى العرق ) ، وأطرق القوم . قال : فسُرىَّ عن مالك فقال : « الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وإنّى أخاف أن تكون ضالًّا » . وأُمِرَ به فأُخرج « 1 » . وأمّا استبعاد أن يختفى عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجدّ والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات ، والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم ، إذ لا يتصوّر اختلاف ولا تناقض إلّا مع فرض خفاء الحقّ واختلاط طريقه بغيره . 2 . دور العقل في فهم القرآن من الأبحاث الأساسيّة التي وقع النزاع فيها كثيراً على مرّ تاريخ الإنسان الطويل ، إمكان الاعتماد على نتائج الاستدلالات العقليّة في مختلف مجالات الفكر والعقيدة ، والواقع أنّ هذا النزاع يمكن تصويره كما يلي : تارةً بين الاتّجاه الحسّى الذي لا يؤمن إلّا بنتائج العلوم الطبيعيّة القائمة على أساس المنهج التجريبى ، والاتّجاه العقلي الذي ذهب إليه الفلاسفة عموماً ، حيث آمنوا بإمكان الاعتماد على نتائج العلوم العقليّة القائمة على أساس المنطق الأرسطى . وأُخرى بين الاتّجاه الذي يصرّ على الاقتصار على ظواهر الكتاب والسنّة ، والاجتناب عن تعاطى الأُصول المنطقيّة والعقليّة لفهم المعارف الدينيّة عموماً ، وبين الاتّجاه الذي يعتقد أنّ الكتاب والسُنّة هما الداعيان إلى

--> ( 1 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني ، تحقيق : محبّ الدين الخطيب ، دار المعرفة ، بيروت : ج 13 ص 407 .