السيد كمال الحيدري

40

اللباب في تفسير الكتاب

التوسّع في استعمال الطرق العقليّة الصحيحة ، وهى المقدّمات البديهيّة أو المتّكئة عليها . وقبل هذا وذاك لابدّ من تعريف العقل ، وماذا يُراد به في مثل هذه الأبحاث ؟ العقل قوّة يتهيّأ بها إدراك العلوم النظريّة ، وكأنّه نورٌ يُقذف في القلب ، به يستعدّ لإدراك الأشياء ، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه القوّة مع فقدْ العلوم . وكما أنّ الحياة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختياريّة والإدراكات الحسّية ، فكذلك العقل به يتهيّأ بعض الحيوانات للعلوم النظريّة . ويمكن تشبيه ذلك بالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصور والألوان ، لصفة اختصّت بها وهى الصقالة ، وكذلك العين تفارق الأعضاء بصفة غريزيّة بها استعدّت للرؤية . فنسبة هذه القوّة في استعدادها لانكشاف العلوم كنسبة المرآة إلى صور الألوان ونسبة العين إلى صور المرئيّات . ببيان آخر : إنّ الحسّ لا ينال غير الجزئي المتغيّر ، والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غير القضايا الكلّية ، وهى غير محسوسة ولا مجرّبة ، فإنّ التشريح مثلًا إنّما ينال من الإنسان أفراداً معدودين قليلين أو كثيرين ، يعطى للحسّ فيها مشاهدة أنّ لهذا الإنسان قلباً وكبداً مثلًا ، ويحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يقلّ أو يكثر ، وذلك غير الحكم الكلّى في قولنا : « كلّ إنسان فله قلب أو كبد » ، فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحسّ والتجربة فحسب ، من غير ركون على العقليّات من رأس ، لم يتمّ لنا إدراك كلّى ولا فكر فطرىّ ولا بحث علمىّ . فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحسّ في مورد يخصّ به ، كذلك التعويل في ما يخصّ بالقوّة العقليّة . ومرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصديقات الكلّية والمدرك لهذه الأحكام