السيد كمال الحيدري
381
اللباب في تفسير الكتاب
حيث يقول فيه : « آه من قلّة الزاد ، وطول الطريق ، وبُعد السفر » « 1 » من هنا قال جملة من الأعلام : إن آهات سيد الموحّدين عليه السلام إنّما كانت للسفر الثاني ، لعلمه بأنه سفر لا نهاية له ، وإنّ كل سالك يأخذ منه بحسب قدر وعائه الوجودي . ومعنى ذلك فأي درجة كمالية بلغها السالك في سيره الصعودي فإنه يطلب المزيد من الهداية التكوينيّة الخاصّة ، ولا ينتهى به الدعاء إلى مرتبة ليس فوقها مرتبة . وبهذا يتّضح أنّ كلّ من كان على الصراط ، بل ومن كان هو المصداق الأتمّ للصراط المستقيم ، فإنّه يمكن أن يطلب المزيد حتى لو كان خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلائق أجمعين ، ولا يلزمه منه تحصيل الحاصل ، ولذا قال تعالى على لسان نبيّه صلّى الله عليه وآله : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْماً ) ( طه : 114 ) وهذا ينسجم تماماً مع ما ذكرنا أنّ من أهمّ خصوصيات أصحاب الصراط أنّ لهم من العلم بمقام ربّهم ما ليس لغيرهم . ومن أهمّ النتائج المترتّبة على ما تقدّم : اختلاف مراتب السالكين ، فقد تقدّم أنّ سير السالك في السفر الثاني غير متناهٍ ، وأنّ كلّ سالك يغترف في هذا السفر بحسب حجم وعائه وقدره : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) ( الرعد : 17 ) وحيث إنّ الأوعية تحمل ما أمكنها حمله ، وأنّ الأودية تحمل من الماء بقدر سعتها ، فهذا يعنى أنّ المراتب والمقامات سوف تختلف من سالك إلى آخر . على هذا فمقامات أولى العزم والأنبياء والأوصياء والأولياء وسائر السالكين إنّما تتحدّد من خلال هذا السفر الثاني ، فبقدر سير وهمّة السالك في هذا السفر وحجم وعائه وجهاده يكون مقامه ، وكلّما كان السعي حثيثاً
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الحكمة 77 ، ص 156 .