السيد كمال الحيدري
382
اللباب في تفسير الكتاب
والجهاد عظيماً انفتحت أمامه آفاق وسبُل : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ( العنكبوت : 69 ) . ومن الجدير بالذكر أنّ أقصى ما وصل إليه الإنسان في هذا السفر وأكثر ما اغترفه من معارف التوحيد وتشرّب بها هو الرسول الأعظم ، فكان له مقام القطبية ومقام الخاتمية في عالم الإمكان ، فهو صلّى الله عليه وآله الصادر الأوّل في قوس النزول ، وهو القطب والخاتم ، فما بعد مقامه مقام أو درجة في قوس الصعود ، ويأتي تلوه أوصياؤه وورثة علمه أئمّة أهل البيت عليهم السلام . الخامسة : التفسير الآفاقي للصراط المستقيم ظاهر الآية أن الصراط المستقيم إلى الحقّ تعالى موجود بالفعل ، ومنعوت بالاستقامة الفعلية ، فهو الآن موجود ومتحقّق في متن الأعيان ، كالطريق المستقيم الموجود بين نقطتين يوصل بينهما ، وعلى هذا يلزم علينا الفحص عنه . ولعلّ هذا هو السرّ في أنّ المؤمن أُمر أن يدعو ربّه مرّات عديدة في صلواته اليومية ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) لأنّه هو أفضل الطرق وأحسنها وأقصرها للوصول إلى الهدف الذي خلق الإنسان من أجله ، وأمّا إذا لم يوفّق الإنسان لسلوك هذا الطريق فإنّه لا يزيده سرعة المشي في غير الصراط المستقيم إلّا بُعداً عن الهدف ، وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام بقوله : « العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة المشي إلّا بُعداً » « 1 » . من هنا أشار القرآن إلى الصراط المستقيم من خلال بيان المصاديق التي هداها إلى الصراط المستقيم ؛ قال تعالى : ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ
--> ( 1 ) الأصول من الكافي : كتاب فضل العلم ، باب من عمل بغير علم ، الحديث 1 ، ج 1 ، ص 43 .