السيد كمال الحيدري

380

اللباب في تفسير الكتاب

وصار وجوده لله تعالى ، ولم تعد هنالك شركة للشيطان فيه ، فخرج عن دائرة ( وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ) ( الإسراء : 64 ) واستعاد كلّه من غاصبه وأعاد الحقّ إلى نصابه ، فصار قلبه حرم الله تعالى ، وصار الله مأواه وملاذه ومحطّ رحاله ، إذا تحقّق ذلك للسالك فإنه يكون قد شرع في سفره الثاني ، وهو السير في الحقّ بالحقّ أو من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ . والحاصل فإنّ السفر الثاني هو سفر السالك في الوحدة الحقّة والعلّة التامّة والمؤثّر الحقيقي ، وحيث إن الحقّ له ذات وأسماء وصفات وأفعال ، فإنّ السالك يبدأ بالتعرّف والتحقّق في ذلك ، فيُبصر أفعال الله تعالى بمعانيها الدقيقة ، فينتهى إلى فناء أفعاله الشخصية بأفعال الله تعالى ، ويُبصر صفات الله تعالى فتفنى صفاته الشخصية بصفات الله تعالى ، ثم تبقى ذاته وهى مجرّدة عن أفعاله وصفاته فيبصرها متعلّقة بذات الله تعالى ، فتفنى ذاته في ذاته تعالى . وهذا لا يكون إلا بعد أن يكون العبد في مسيره اللامتناهى هذا مظهراً لتلك الأسماء ، وذاتاً متلبّسة بتلك الصفات ، فيتنقّل العبد السالك من غصن إلى غصن ومن واحة إلى واحة على نحو الترقّى ، فيطوى في الأسماء العلوية حتى يكون مظهراً لما دونها من أسماء طبقاً لحاكمية بعض الأسماء على الأخرى ، وهكذا في الصفات والأفعال الإلهيّة . ومن أهمّ خصوصيات هذا السفر : أنّ السالك فيه ، نظراً لكون المبدأ والمنتهى فيه واحداً وهو الحقّ تعالى ، وأنّ الحقّ تعالى غير متناهٍ ، فلازم كلّ ذلك أن يكون سير السالك غير متناهٍ أيضاً . وحيث إن السفر فيه غير متناه ، فإنّ الزاد مهما عظم فيه فهو قليل ، وإنّ المقصد مهما حثّ السالك نحوه الخُطى فهو بعيد . ولعلّ أعظم من ترجم لنا ذلك السير هو علىّ أمير المؤمنين عليه السلام