السيد كمال الحيدري
356
اللباب في تفسير الكتاب
الصالح من غير أن يتضيّق به ، وتهيّؤ مخصوص لا يأبى به التسليم لأمر الله ولا يخرج عن حكمه ، وهو المشار إليه في قوله : ( أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) إلى أن يقول : ( ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ( الزمر : 23 ) ، ووصف هذه الهداية بالنور ؛ لأنّه بها ينجلى للقلب ما يجب عليه أن يعيه من التسليم لحقّ القول وصدق العمل . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الهداية في آيات كثيرة كقوله تعالى : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ ) ( إبراهيم : 27 ) ، حيث بيّن أنّ المؤمن إذا ثبت على الإيمان واستقام عليه بمقتضى الهداية الفطريّة والتشريعيّة ، ثبّته الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة ، بمعنى أنّ ثبات المؤمن واستقامته بحسن اختياره على ما آمن به ( وهو فعله ) فيجازيه الله تثبيته بسبب ذاك القول الثابت وحفظه من الزيغ والزلل في الدنيا والآخرة ، وهذا مفاد الهداية التكوينيّة المترتّبة على الهداية الفطريّة والعمل بمقتضاها . وكذلك ما ورد في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) ( الحديد : 28 ) ، وهذا النور هو الذي أشير إليه في قوله تعالى : ( أَ وَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) ( الأنعام : 122 ) . وهكذا ما ورد في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ) ( الأنفال : 29 ) ، ونظيرها بحسب المعنى قوله : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) ( الطلاق : 3 2 ) . وهذه الهداية التكوينيّة الخاصّة هي التي يقابلها ما ورد في قوله تعالى : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ( الصفّ : 7 ) وقوله : ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ( الصفّ : 5 ) وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ( المائدة : 67 ) ،