السيد كمال الحيدري

357

اللباب في تفسير الكتاب

فليس المراد من ذلك عدم الهداية إلى الإيمان والدعوة إليه ؛ لمنافاته لأصل التبليغ والدعوة العامّة للناس ، وإنّما المراد منعه تعالى الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما يرومونه من الشرّ والفساد ، وعدم إعطاء المجال لهم لينالوا ما يهمّون من إبطال الحقّ وإطفاء نوره ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) ( التوبة : 32 ) . ولعلّ هذه الهداية التي عبّر عنها القرآن بأنّها هداية بالأمر الإلهى كما في قوله تعالى : ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ( الأنبياء : 73 ) حيث يقال : إنّ المراد من الأمر هو الذي بيّن حقيقته في قوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ( يس : 83 82 ) فبيّن أنّ « أمره » هو قوله للشئ « كُنْ » وهو كلمة الإيجاد ، والإيجاد هو وجود الشئ لكن لا من كلّ جهة ، بل من جهة استناده إليه تعالى وقيامه به . وبه يعلم أنّ في الأشياء المكوّنة تدريجاً الحاصلة بتوسّط الأسباب الكونيّة المنطبقة على الزمان والمكان ، جهة معرّاة عن التدريج خارجة عن حيطة الزمان والمكان ، هي من تلك الجهة أمره وقوله وكلمته . وأمّا من الجهة التي هي بها تدريجيّة مرتبطة بالأسباب الكونيّة ، منطبقة على الزمان والمكان ، فهي بها من الخلق ؛ قال تعالى : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) ( الأعراف : 54 ) . فالأمر هو وجود الشئ من جهة استناده إليه تعالى وحده ، والخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسّط الأسباب الكونيّة فيه . فظهر بذلك أنّ الأمر هو كلمة الإيجاد السماويّة وفعله تعالى المختصّ به الذي لا تتوسّط فيه الأسباب ولا يتقدّر بزمان أو مكان وغير ذلك . ومن الواضح أنّ مثل هذا الأمر لا يكون قابلًا للتخلّف . ممّا تقدّم يتّضح أنّه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية هنا ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) بمعنى إراءة الطريق ، لأنّها قابلة للتخلّف وعدم الوصول .