السيد كمال الحيدري
355
اللباب في تفسير الكتاب
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلَا تَذَكَّرُونَ ) ( الجاثية : 23 ) ، والهداية المنفيّة في الآية بمعنى الإيصال إلى المطلوب دون إراءة الطريق بدليل قوله : ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) . وأمّا الهداية التشريعيّة وهى التي تتضمّنها الدعوة الدينيّة ، فإنّ من شأنها أن تبلغ المجتمع فتكون في معرض من عقول الجماعة ، فيرجع إليها من آثر الحقّ على الباطل . وأمّا بلوغها لكلّ واحد منهم ، فإنّ العلل والأسباب التي يتوسّل بها إلى بيان أمثال هذه المقاصد ربما لا تساعد على ذلك على ما في الظروف البيئيّة والأزمنة من الاختلاف ، وكيف يمكن لإنسان أن يدعو كلّ إنسان إلى ما يريد بنفسه أو بوسائط من نوعه ؟ فإنّه متعذّر جدّاً . وإلى المعنى الأوّل أشار تعالى بقوله : ( إوَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) ( فاطر : 24 ) ، وإلى الثاني بقوله : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ( يس : 6 ) فمن بلغته الدعوة وانكشف له الحقّ فقد تمّت عليه الحجّة ، ومن لم تبلغه الدعوة بلوغاً ينكشف به له الحقّ فقد أدركه الفضل الإلهى بعدّه مستضعفاً ، أمره إلى الله إن يشأ يغفر له وإن يشأ يعذّبه ؛ قال تعالى : ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) ( النساء : 99 98 ) . النوع الثالث : الهداية التكوينيّة الخاصّة هناك نوع ثالث من الهداية الإلهيّة ، تختصّ بطبقة خاصّة من الذين آمنوا ، تأتى كجزاء إلهىّ لمن تلبّس بلوازم الهداية الفطريّة ثمّ ثبّتها من خلال العمل بمقتضى ما جاءت به الدعوة الدينيّة التي قام بها أنبياؤه ورسله . وهى هداية تكوينيّة بمعنى الإيصال إلى المطلوب ومن أهمّ آثارها أنّها ثورت نوع انبساط خاصّ في القلب ، يعى به المؤمن القول الحقّ والعمل