السيد كمال الحيدري
354
اللباب في تفسير الكتاب
ما زُوّد به خلقة الإنسان من التمييز بين الفجور والتقوى ؛ قال تعالى : ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) ( الشمس : 8 7 ) حيث فرّع الإلهام على التسوية في قوله : ( وَمَا سَوَّاهَا ) للإشارة إلى أنّ إلهام الفجور والتقوى وهو العقل العملي من تكميل تسوية النفس ، فهو من نعوت خلقتها ، ومعنى ذلك أنّه تعالى عرّف الإنسان كون ما يأتي به من فعل فجوراً أو تقوى . النوع الثاني : الهداية التشريعيّة وهى التي تتعلّق بالأمور التشريعيّة من الاعتقادات الحقّة والأعمال الصالحة التي وضعها الله سبحانه للأمر والنهى والبعث والزجر ، ووعد على الأخذ بها ثواباً وأوعد على تركها عقاباً . وهى هداية قوليّة من طريق الدعوة ببعث الأنبياء وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع الإلهيّة ، ولم يزل التدبير الربوبي يدعم الحياة الإنسانيّة بالدعوة الدينيّة القائم بها أنبياؤه ورسله ، ويؤيّد بذلك دعوة الفطرة كما قال : ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) ( النساء : 165 163 ) . من أهمّ الفوارق بين النوعين الأخيرين من الهداية الإلهيّة ، أنّ الهداية الفطريّة عامّة لا يستثنى منها إنسان لأنّها لازم الخلقة الإنسانيّة وهى في الأفراد بالسويّة ، غير أنّها ربما تضعف أو يلغو أثرها لعوامل وأسباب تشغل الإنسان وتصرفه عن التوجّه إلى ما يدعو إليه عقله ويهديه إليه فطرته ، أو ملكات وأحوال رديئة سيّئة تمنعه من إجابة نداء الفطرة كالعناد واللجاج وما يشبه ذلك ؛ قال تعالى : ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ