السيد كمال الحيدري

338

اللباب في تفسير الكتاب

ثمّ بيّن الشيخ أنّ آخر المقامات التي يصل إليها العارف في سلوكه إلى الله تعالى ، هو مقام المحو والفناء ، فقال : « ثمّ إنّه أي العارف ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط ، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي بزينتها ، وهناك يحقّ الوصول » « 1 » . الرابعة : صحّة العبادة بهذه الطرق ثمّ إنّه لابدّ أن يعلم أنّ هذه الطرق تشترك جميعاً في أنّها تحقّق العبادة الصحيحة ، ذلك أنّ العبادة كما عرفت لإحدى خصال ثلاث ؛ إمّا رجاءً لما عند المعبود من الخير فيعبد طمعاً في الخير ، وإمّا خوفاً ممّا في الإعراض عنه وعدم الاعتناء بأمره من الشرّ ، وإمّا لأنّه أهلٌ للعبادة والخضوع . والله سبحانه هو المالك لكلّ خير ، لا يملك شئ شيئاً من الخير إلّا ما ملّكه هو إيّاه ، وهو المالك مع ذلك لما ملّكه والقادر على ما عليه أقدره ، وهو المُنعم المفضل المحيى الشافي الرازق الغفور الرحيم الغنىّ العزيز ، وله كلّ اسم فيه معنى الخير ، فهو سبحانه المستحقّ للعبادة رجاءً لما عنده من الخير دون غيره . والله سبحانه هو العزيز القاهر الذي لا يقوم لقهره شئ ، وهو المنتقم ذو البطش شديد العقاب ، لا شرّ لأحد عند أحد إلّا بإذنه ، فهو المستحقّ لأن يُعبد خوفاً من غضبه لو لم يخضع لعظمته وكبريائه . والله سبحانه هو الأهل للعبادة وحده ، لأنّ أهليّة الشئ لأن يخضع له لنفسه ليس إلّا لكمال ، فالكمال وحده هو الذي يخضع عنده النقص الملازم للخضوع ، وهو إمّا جمال تنجذب إليه النفس انجذاباً أو جلال يخرّ عنده اللبّ ويذهب دونه القلب ، وله سبحانه كلّ الجمال ، وما من جمال إلّا وهو آية

--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 3 ص 386 .