السيد كمال الحيدري

337

اللباب في تفسير الكتاب

وفى عبارات الشيخ لطائف كثيرة كما قال المحقّق الطوسي في الشرح منها : وصف اللذّات الحسّية بنقصان الخلْقة ، وهو نقصان لا يمكن أن يزول ، وهو ما أشار إليه بقوله : « إنّما معارفته مع اللذّات المُخدجة » فإنّ المخدج : هو الناقص ، يقال : أخدجت الناقة ، إذا جاءت بولدها ناقص الخلْق . وتشبيه من لم يقدر على مطالعة البهجة الحقيقيّة بالأعمى الذي يطلب شيئاً ، فإنّه يعلّق يده بما يليه ، سواء كان ما أعلق به يده مطلوباً أو لم يكن . وهو المشار إليه بقوله : « كذلك من غضّ النقص بصره عن مطالعة بهجة الحقّ أعلق كتفيه بما يليه » . والتنبيه على أنّ زهد غير العارف زهد عن كُره ، مع كونه في صورة الزهّاد أحرص الخلق بالطبع على اللذّات الحسّية ؛ فإنّ التارك شيئاً استأجل أضعافه ، أقرب إلى الطمع منه إلى القناعة . من هنا ذكر الشيخ في موضع آخر : أنّ غرض غير العارف في الزهد والعبادة متمايز عن غرض العارف ؛ قال : « الزهد عند غير العارف معاملةٌ ما ، كأنّه يشترى بمتاع الدُّنيا متاع الآخرة ، وعند العارف تنزّه ما عمّا يشغل سرّه عن الحقّ ، وتكبّر على كلّ شئ غير الحقّ ، والعبادة عند غير العارف معاملة ما ، كأنّه يعمل في الدُّنيا لأجرة يأخذها في الآخرة هي الأجر والثواب . وعند العارف رياضة لهممه وقوى نفسه المتوهّمة والمتخيّلة ، ليجرّها بالتعويد عن جناب الغرور إلى جناب الحقّ ، فتصير مسالمة للسرّ الباطن حينما يستجلى الحقّ لا ينازعه ، فيخلص السرّ إلى الشروق الساطع ، ويصير ذلك ملكة مستقرّة ، كلّما شاء السرّ اطلع إلى نور الحقّ ، غير مزاحم من الهمم بل مع تشييع منها له ، فيكون بكلّيته منخرطاً في سلك القدس » « 1 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 3 ص 370 .