السيد كمال الحيدري

336

اللباب في تفسير الكتاب

يؤثر نيل الثواب والاحتراز عن العقاب على الحقّ ، وهو الذي عبّر عنه الشيخ : « المستحلّ توسيط الحقّ » « 1 » ؛ أي جعل الحقّ واسطة للوصول إلى لذّة الجنّة ونعيمها أو الخلاص من النار وآلامها . والسبب في ذلك هو أنّ غير العارف كما يقول الشيخ : « إنّه لم يطعم لذّة البهجة به فيستطعمها ، إنّما معارفته مع اللذّات المخدجة ، فهو حنون إليها ، غافل عمّا وراءها . وما مَثَله بالقياس إلى العارفين إلّا مثل الصبيان بالقياس إلى المحنّكين ، فإنّهم لمّا غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون ، واقتصرت بهم المباشرة على طيّبات اللعب ، صاروا يتعجّبون من أهل الجدّ إذا ازورّوا عنها ، عايفين لها عاكفين على غيرها . كذلك من غضّ النقص بصره عن مطالعة بهجة الحقّ ، أعْلق كتفيه بما يليه من اللذّات ، لذّات الزور ، فتركها في دنياه عن كُره ، وما تركها إلّا ليستأجل أضعافها . وإنّما يعبد الله ويطيعه ليخوّله في الآخرة شبعة منها . فيُبعث إلى مطعم شهىّ ومشرب هنىّ ومنكح بهىّ إذا بُعثر عنه ، فلا مطمح لبصره في أُولاه وأُخراه إلّا إلى لذّات قبقبه وذبذبه . والمستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار ، قد عرف اللذّة الحقّ وولّى وجهه سمتها ، مسترحماً على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه ، وإن كان ما يتوخّاه بكدّه مبذولًا له بحسب وعده » « 2 » . والغرض من هذا البيان على طوله تمهيد العذر لمن يجوّز أن يجعل الحقّ تعالى واسطة في تحصيل شئ آخر غيره ، وهو ممّن يتزهّد في الدُّنيا ويعبد الحقّ رغبةً في ثواب أو رهبةً من عقاب ، ووجه العذر بيان نقصه في معارف التوحيد .

--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 3 ص 377 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 3 ص 377 .