السيد كمال الحيدري
333
اللباب في تفسير الكتاب
بأنّ الله اجتباهم أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته ؛ قال تعالى : ( وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( الأنعام : 87 ) ، وقال : ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( الحجّ : 78 ) . عبادة الطبقة الثالثة بين الحبّ والشكر ورد في بعض الروايات أنّ الطبقة الثالثة تعبدُ الله « شكراً » بدل « حبّاً » . عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار » « 1 » . والسبب في وصفهم عليه السلام عبادةَ الأحرار تارةً بالحبّ وأخرى بالشكر ، لكون مرجعهما واحداً ، فإنّ الشكر وضع الشئ المنعم به في محلّه ، والعبادة شكرها أن تكون لله الذي يستحقّها لذاته ، فيُعبد الله لأنّه الله ، أي لأنّه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته ، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته ، فليس الحبّ إلّا الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه . فقولنا فيه تعالى « هو معبود لأنّه هو » ، و « معبود لأنّه جميل محبوب » ، و « معبود لأنّه مُنعم مشكور بالعبادة » ، يرجع جميعها إلى معنىً واحد . ببيان آخر : الشاكرون هم الذين استقرّت فيهم صفة الشكر على الإطلاق ، فلا يمسّون نعمة إلّا بشكر أي بأن يستعملوها ويتصرّفوا فيها قولًا أو فعلًا على نحو يظهرون به أنّها من عند ربّهم قبل أن يمسّوه ومعه وبعده ، وأنّهم مملوكون له تعالى طلقاً ليس لهم من الأمر شئ ، فذكْرهم ربّهم على هذه الوتيرة يُنسيهم ذكر غيره ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، فلو أُعطى اللفظ حقّ معناه لكان الشاكرون هم المخلَصين .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الحكمة رقم 237 .