السيد كمال الحيدري
334
اللباب في تفسير الكتاب
الثالثة : الفوارق بين هذه الطرق ممّا تقدّم اتّضح أنّ عبادة الله سبحانه تارةً تكون من خلال الخوف من العذاب ، فتبعث الإنسان إلى التروك ، وهو الزهد في الدُّنيا للنجاة في الآخرة ، فالزاهد في هذا الطريق من شأنه أن يتجنّب المحرّمات أو ما في معنى الحرام وهو ترك الواجبات ، وأخرى تكون من خلال الطمع في الثواب ، فتبعثه إلى الأفعال وهى العبادة في الدُّنيا بالعمل الصالح لنيل نِعم الآخرة والجنّة ، فالعابد في هذا الطريق من شأنه أن يلتزم الواجبات أو ما في معنى الواجب وهو ترك الحرام . والطريقان معاً إنّما يدعوان إلى الإخلاص للدِّين لا لربّ الدِّين ، وثالثة تكون من خلال محبّة الله سبحانه فإنّها تطهّر القلب من التعلّق بغيره تعالى ، من معبود أو مطلوب كصنم أو ندّ أو غاية دنيويّة ، بل ولا مطلوب أخروىّ كفوز بالجنّة أو خلاص من النار ، وهذه المحبّة تقصر القلب في التعلّق به تعالى ، وبما ينسب إليه من دين أو نبىّ أو ولىّ وسائر ما يرجع إليه تعالى بوجه ، فإنّ من أحبَّ شيئاً أحبّ آثاره أيضاً . نعم ، إذا نُسبت هذه الطرق بعضها إلى بعض ، فإنّه ينطبق عليها القاعدة المعروفة « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين » لأنّ أهل طريق الحبّ يرون أنّ الطريقين الآخرين خوفاً أو طمعاً لا يخلوان من شرك خفىّ ، فإنّ الذي يعبده تعالى خوفاً من عذابه ، يتوسّل به تعالى ( أي يجعله وسيلة ) إلى دفع العذاب عن نفسه ، كما أنّ من يعبده طمعاً في ثوابه ، يتوسّل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة ، ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده ولا حام حول معرفته . إذن فالعبادة إنّما تكون عبادة حقيقيّة إذا كانت عن خلوص من العبد ، ولا يتمّ ذلك إلّا إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله ، فيكون قد أعطاه الشركة مع الله