السيد كمال الحيدري
312
اللباب في تفسير الكتاب
الداخرين لقضائه ، سواء عرفوه أم جهلوه ، أطاعوه في تكاليفه أم عصوه ، وهو المالك لهم ملكاً تشريعيّاً يوجب له عليهم السمع والطاعة . التعريف الثاني : العبادة هي الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ من الاعتقاد بألوهيّة المخضوع له . وتوضيح ذلك يستلزم بيان أمرين : الأوّل : إنّ الذين نزل القرآن في أوساطهم وكذلك كلّ الوثنيّين وعَبدة الشمس والكواكب كانوا يعتقدون بألوهيّة معبوداتهم ويتّخذونهم آلهة صغيرة وفوقهم الإله الكبير الذي يسمّى « الله » سبحانه ، والآيات التي تحدّثت عن ذلك كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ) ( الفرقان : 68 ) وقوله : ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) ( مريم : 81 ) وقوله : ( أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ) ( الأنعام : 19 ) وقوله : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً ) ( الأنعام : 74 ) . فهذه الآيات وكثيرٌ غيرها تشهد على أنّ دعوة المشركين كانت مصحوبة بالاعتقاد بألوهيّة معبوداتهم ، وقد فُسّر الشرك في بعض الآيات باتّخاذ الإله مع الله ، كما في قوله : ( . . . وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ( الحجر : 96 94 ) ، وكذلك قوله : ( أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( الطور : 43 ) حيث جعلت الاعتقاد بألوهيّة غير الله هو الملاك للشرك ، والمراد هنا الشرك في العبادة . فهذه النصوص واضحة الدلالة على أنّ شرك هؤلاء إنّما كان لأجل اعتقادهم بألوهيّة معبوداتهم ، ولأجل هذا كانوا يعبدونهم ويقدّمون لهم النذور والقرابين وغيرها من التقاليد والسُّنن العباديّة . ولمّا كانت كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بألوهيّة غيره سبحانه ، كانوا يستكبرون عند سماعها كما قال تعالى : ( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ( الصافّات : 35 ) وهذا ما يفسّر لنا أيضاً أنّهم كانوا إذا دُعى الله