السيد كمال الحيدري
313
اللباب في تفسير الكتاب
وحده كفروا به ، لأنّهم لا يقبلون حصر الألوهيّة به سبحانه ، وإذا أشرك به آمنوا لانسجامه مع ما يعتقدون كما في قوله : ( ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ ) ( غافر : 12 ) . الأمر الثاني : إنّ العبادة ما لم تنشأ من الاعتقاد بألوهيّة المعبود ، فلا يكون الخضوع أو التعظيم والتكريم عبادة ، وهذا ما دلّت عليه الآيات التي أمرت بعبادة الله ونهت عن عبادة غيره معلّلة ذلك بأنّه : ( لا إله إلا هو ) ، كقوله سبحانه : ( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) ( الأعراف : 59 ) وقد تكرّر هذا النداء القرآني في مواضع متعدّدة « 1 » . ولازم ذلك أنّ الذي يستحقّ العبادة هو من كان إلهاً وليس هو إلّا الله ، وعندئذ فكيف تعبدون ما ليس بإله ، وكيف تتركون عبادة الله وهو الإله الذي يجب أن يُعبد دون سواه . فهذه التعابير التي هي من قبيل تعليق الحكم على الوصف تفيد أنّ العبادة إنّما تكون كذلك إذا كان الخضوع والتذلّل نابعين من الاعتقاد بألوهيّة المعبود ؛ إذ نلاحظ بجلاء كيف أنّ القرآن استنكر عبادة المشركين غير الله ، بأنّ هذه المعبودات ليست بآلهة ، وأنّ العبادة من شؤون الألوهيّة . فإذا تحقّق وصف الألوهيّة في موجود جازت عبادته واتّخاذه معبوداً ، وحيث إنّ هذا الوصف لا يستحقّه إلّا الله سبحانه وجبت عبادته دون سواه . ولعلّ القرآن لم يستعمل لفظ العبادة وما يشتقّ منه ك « عبد ، يعبُد » على وجه الحقيقة إلّا في ما ذكرناه من معاملة الإنسان لمن يتّخذه إلهاً معاملة الإله المستحقّ لذلك بمقامه في الإلهيّة ، وهذا ما تقدّم من ابن فارس حيث قال : « وأمّا عَبَد يعبُد عبادة ، فلا يُقال إلّا لمن يعبُد الله تعالى » .
--> ( 1 ) الأعراف : 65 ، 73 ، 85 ، هود : 50 ، 61 ، 84 .