السيد كمال الحيدري
291
اللباب في تفسير الكتاب
مقابل الإيمان والعبوديّة ، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده ، من حياة طيّبة في الدُّنيا وجنّة ورضوان في الآخرة ، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين . ويقابل الرحمة الخاصّة العذاب الذي يُصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجُرمهم في الدُّنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) ( طه : 124 ) ، وفى الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامّة شئ من العذاب ، إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شئ فهو من مصاديق الرحمة العامّة ؛ قال تعالى : ( وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ) ( الأعراف : 156 ) . والحاصل : إنّ الرحمة فيه تعالى ليست بمعنى رقّة القلب والإشفاق والتأثّر الباطني ، فإنّها تستلزم المادّة ، تعالى عن ذلك ، بل معناها العطيّة والإفاضة لما يناسب الاستعداد التامّ الحاصل في القابل ، فإنّ المستعدّ بالاستعداد التامّ الشديد يحبّ ما هو مستعدّ له ويطلبه ويسأله بلسان استعداده ، فيفاض عليه ما يطلبه ويسأله . قال تعالى : ( يَسْأَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ ) ( الرحمن : 29 ) سؤالهم سؤال حاجة ، فَهُمْ في حاجة من جميع جهاتهم إليه تعالى ، متعلّقو الوجود به ، متمسّكون بذيل غناه وجوده ؛ قال تعالى : ( أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ) ( فاطر : 15 ) ، وقال في هذا المعنى من السؤال : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ( إبراهيم : 34 ) ، وقوله : ( كل يوم هو في شان ) بإفاضة ما يناسب كلّ استعداد ويستحقّه . والرحمة رحمتان : رحمة عامّة وهى إعطاء الشئ ما يستعدّ له ويشتاقه في صراط الوجود والكينونة ، ورحمة خاصّة وهى إعطاء الشئ ما يستعدّ له في صراط الهداية إلى التوحيد وسعادة القُرب .