السيد كمال الحيدري

283

اللباب في تفسير الكتاب

التاسعة : إنّ حمده تعالى ، كما هو أهله ، غير مقدور لأحد وهذه الحقيقة هي التي أشار إليها خاتم الأنبياء والمرسلين حيث قال : « لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » وما يمكن أن يُقال في إثبات ذلك وجوه ؛ منها : الأوّل : إنّ نعم الله على الإنسان كثيرة لا يقوى عقله على الوقوف عليها كما قال تعالى : ( وان تعدوا نعمه الله لا تحصوها ) ( النحل : 18 ) إشارة إلى كثرة النِّعم الإلهيّة كثرة خارجة عن حيطة الإحصاء . وكيف يمكن إحصاء نعمه تعالى وعالم الوجود بجميع أجزائه وما يلحق بها من الأوصاف والأحوال ، مرتبطة منتظمة نافع بعضها في بعض ، متوقّف بعضها على بعض ، فالجميع نعمه بالنسبة إلى الجميع ، وهذا أمرٌ لا يحيط به إحصاء . ولعلّ ذلك هو السرّ في إفراد النعمة في قوله « نعمة الله » فإنّ الحقّ أنّه ما من شئ إلّا وهو نعمة إذا قيس إلى النظام الكلّى وإن كان ربما وُجد بينها ما ليس بنعمة إذا قيس إلى بعض آخر . على هذا فلا حاجة إلى تفخيمها بالجمع ليدلّ على الكثرة . وإذا امتنع وقوف الإنسان عليها جميعاً ، امتنع أن يكون قادراً على الحمد والشكر والثناء اللائق به تعالى . الثاني : إنّ الإنسان إنّما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله تعالى على ذلك الحمد والشكر ، وإذا ألهمه ما يدعوه إلى ذلك الحمد والشكر ، وإذا زال عنه العوائق والموانع ، ومن الواضح أنّ كلّ ذلك إنعام من الله تعالى عليه . فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر الله تعالى إلّا بواسطة نِعَم عظيمة من الله تعالى عليه ، وتلك النِّعم أيضاً توجب الشكر ، وعلى هذا فكلّ شكر وحمد

--> ( 1 ) صحيح مسلم : باب ما يقال في الركوع والسجود ، الحديث 48 ، ص 201 .