السيد كمال الحيدري
277
اللباب في تفسير الكتاب
وهذه الربوبيّة إنّما هي من جهة حقيقتها لا من جهة بشريّتها ، فإنّها من تلك الجهة عبد مربوب محتاج إلى ربّها ، كما نبّه سبحانه بهذه الجهة بقوله : ( قل انما انا بشر مثلكم ) ( الكهف : 110 ) ونبّه بالجهة الأُولى بقوله : ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) ( الأنفال : 17 ) فأسند رميه إلى الله . ولا تتصوّر هذه الربوبيّة إلّا بإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه ، وإفاضة جميع ما يحتاج إليه العالم . وهذا المعنى لا يمكن إلّا بالقدرة التامّة ، والصفات الإلهيّة جميعها ، فله كل الأسماء يتصرّف بها في هذا العالم حسب استعداداتهم » « 1 » . وهذه هي الخلافة الأسمائيّة التي تحدّث عنها القرآن في قوله : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ( البقرة : 31 ) ، ولازمها أن يكون الخليفة حاكياً للمستخلف في جميع شؤونه الوجوديّة وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف . وهذا ما صرّح به القيصري بقوله : « ولمّا كانت هذه الحقيقة مشتملة على الجهتين : الإلهيّة والعبوديّة ، لا يصحّ لها ذلك أصالة بل تبعيّة ، وهى الخلافة ، فلها الإحياء والإماتة واللطف والقهر والرضا والسخط ، وجميع الصفات ليتصرّف في العالم وفى نفسها وبشريّتها أيضاً لأنّها منه » « 2 » . ومن أهمّ خصائص هذه الخلافة أنّها غير منقطعة أزلًا وأبداً ، نزولًا وصعوداً ؛ وذلك لأنّه لمّا كانت هذه الحقائق هي مظاهر الأسماء الإلهيّة ، والأسماء الإلهيّة لا انقطاع لها ، إذن فمظاهره أيضاً كذلك . قال القيصري : « فالقطب الذي عليه مدار أحكام العالم وهو مركز دائرة الوجود من الأزل إلى الأبد واحد باعتبار حكم الوحدة ، وهو الحقيقة المحمّديّة صلّى الله عليه وآله وباعتبار حكم الكثرة متعدّد .
--> ( 1 ) شرح فصوص الحكم ، الفصل التاسع من المقدّمات : ج 1 ص 145 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ص 146 .