السيد كمال الحيدري
132
اللباب في تفسير الكتاب
إليها ، وإلّا فصاحبو المراتب الأُخر يشاركونهم في إدراك هذه المرتبة ويمتازون عنهم بإدراك المراتب الأُخر . وأمّا المرتبة الثانية : فإنّها تنظر إلى ما هو خافٍ بين سطور الظاهر فتتصيّده بذكاء حادّ ونظرة عقليّة ثاقبة ، وهذه المرتبة هي التي يتمتّع بها طبقة قليلة ممّن توجّهوا إلى الآخرة واشتغلوا بإصلاح ذواتهم ، حيث يحصل لديهم ومضات معرفيّة عميقة وإشراقات محدودة تمكّنهم من ذلك ، ولكن دون أن يلجوا عالم الغيب ويُشاهدوا الحقائق الجمّة الماثلة وراء النصّ . وأمّا المرتبة الثالثة : فهي مرتبة خاصّة بمن غادروا القيود والحدود والعبوديّة والتبعيّة لعالم المادّة ، فلم تعد أنفسهم محكومة للمادّة ، فلطفت نفوسهم وخلت سرائرهم من التبعات ، فصارت لهم الولاية والقدرة على الهداية ، وهى رتبة العرفاء والأولياء . وينبغي التنبيه إلى أنّ اللطائف منها ما هو نظرىّ ومنها ما هو قلبىّ شهودىّ ، وما نرمز إليه في المقام هو خصوص القلبيّة الشهوديّة منها . وأمّا اللطائف النظريّة العقليّة فإنّها وإن كانت تمثِّل مرتبة معرفيّة رفيعة إلّا أنّها لا تخرج عن دائرة العلوم الحصوليّة ، فتكون اللطائف تعبيراً عن الدقّة العقليّة ، وهذه اللطائف العقليّة تمثِّل مستوىً عالياً من القراءة الظاهريّة البرهانيّة للنصّ القرآني . وأمّا اللطائف القلبيّة محلّ الكلام فإنّها تمثِّل مستوىً عالياً ورفيعاً من الكشف الشهودي لمجموعة من الحقائق القرآنيّة في مراتبها المتوسّطة . بعبارة أُخرى : إنّ اللطائف العقليّة تحدّد المصداق للنصّ القرآني ولكن في دائرة عالم المفاهيم لا الوجود الخارجي ، وأمّا اللطائف القلبيّة فإنّها تحدّد مصداق النصّ خارجاً وتقف عليه ، ولكن في ضمن دائرة محدودة أيضاً لا مطلقة ، وهذا كاشف إنّى عن عدم اكتمال القراءة الغيبيّة عندهم بعدُ ، أي إنّ