السيد كمال الحيدري
133
اللباب في تفسير الكتاب
القراءة التي يقدّمها العرفاء الذين بلغوا مقام الولاية ولم يكملوا سيرهم وسلوكهم المعرفى المتمثِّل في السفر الثاني من الأسفار الأربعة ، هي قراءة محدودة في عالم الغيب ، والحقائق التي ولجوها بقدم الولاية ، وهذه المحدوديّة وإن تتفاوت مراتبها أيضاً إلّا أنّها بجميع مراتبها تعبّر عن عدم اكتمال القراءة عندهم . وأمّا المرتبة الرابعة للنصّ القرآني ، وهى المعبّر عنها بالحقائق ، فإنّها تعنى تماميّة القراءة والوقوف على المصاديق الخارجيّة التامّة للنصّ ، وهو مقام الأنبياء عليهم السلام وورثتهم . والذي بلغ الغاية في هذه المرتبة هو خاتم الأنبياء والمرسلين ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) ( النجم : 8 و 9 ) وورثته الأولياء الكاملون عليهم صلوات الله وسلامه ، حيث يكون لهم من المكنة القلبيّة ما به يجمعون بين عالمي الوحدة ( الخالق ) والكثرة ( المخلوق ) فينظرون بعينين صحيحتين ، فيرون الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة ، بحسب اصطلاحات الحكمة المتعالية ، وأمّا بحسب اصطلاحات المدرسة العرفانيّة فإنّه مصداق الوجود المتفرّد وشؤونه وتجلّياته . وفى هذه المراتب الأربع توجد مراتب ومراتب تفصيليّة ، بمعنى أنّ كلّ مرتبة من هذه المراتب الأربع ( العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق ) تحمل في طيّاتها مستويات عديدة . أمّا الأولى والثانية فواضحة ، لأنّ المعرفة النظريّة بحدّ ذاتها ذات مراتب ودرجات من الفهم مختلفة ومتنوّعة . وكذا الثالثة والرابعة ، فاختلاف درجاتهما لعلّه الأكثر وضوحاً ، لأنّ مراتبهما المعرفيّة وجوديّة خارجيّة لا وجوديّة ذهنيّة ، هذا مضافاً إلى أوسعيّة الوجود الغيبي بمراتبه المتعدّدة من الوجود الحسّى المادّى .