السيد كمال الحيدري
106
المدارس الفلسفية في العصر الإسلامي
على اكتناهها ؛ لأنّ المكاشفة تبدأ من حيث ينتهي دور العقل ، فهي في طولها لا في عرضها فلا تنافي ما بينهما ، وهذا معنى قول العرفاء المتألّهين : « إن المكاشفة طور وراء طور العقل » « 1 » ) ، وليس مرادهم أنّ المكاشفة تقول شيئاً يتنافى مع أحكام العقل الصريح ، بل يشاهد العارف حقائق لا يستطيع العقل أن ينالها . مع المدارس الأخرى وهذه إحدى المميزات الأساسية التي تفترق بها الحكمة المتعالية عن الفلسفة المشّائية ، فبينما كان موقف الأخيرة من العرفان والقواعد العرفانية سلبياً على وجه العموم - بمعنى أنّ هذه الفلسفة لم تقرّ أصول المكاشفة والشهود ولم تؤمن بمعطيات تلك الأصول بنحو يجوز بناء المسائل العلمية عليها والإيمان المنطقي بها ، فرفضت كلّ قيمة لمعطيات العرفان العملي - نجد أنّ الحكمة المتعالية سلكت اتّجاهاً آخر يقول : « إن الأصول العقلية ليست بمثابة يمكن بناء صرح علميّ شامخ عليها ؛ وذلك لقصورها عن أن ينكشف بها تلك الحقائق الوجودية التي تخضع عندها قوّة العقل ، لا لمنافاتها ومخالفتها لتلك الحقائق . إذن يجب أن نحصّل أصولًا تقوى على كشف الأطوار المستقرّة فوق الطور العقلي ، وليست هذه الأصول إلّا أُسس المكاشفة وقواعد الشهود ، أعني الأسس والقواعد التي أنتجها الاتّصال بسرّ الوجود مباشرة - كما يقول علم العرفان - ثمّ إذا تحصّلت هذه
--> ( 1 ) شرح القيصري على فصوص الحكم ، النص الإبراهيمي ، الفص العزيزي ، ص 304 . .