السيد كمال الحيدري
279
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
المتكلّم وظهور كلامه في إرادته الجدّية لما يصدر عنه ، إلى دلالات أخرى لا يستسيغها المنطق اللغوي للّغة العربية ، بل ولا جميع اللغات ، فيضحى رسول الله ( ص ) يقول كلاماً لا يعنيه ، أو لا يقصده بتمامه ، أو ينساق فيه وراء عرفٍ لغويّ جاهلي ! أليس في هذا تمييع للخطاب النبوي وحطّ من معانيه ومراميه ! وما قيمة ما ذكره ابن رجب من فوائد هذا الارتجاز ( كالحثّ على العمل وبعث النشاط في العاملين وترغيبهم في الثواب والتعاون على معالجة الأعمال الشاقّة ) ؟ ! وأين من هذا دعاء عمّار إلى الجنّة ( أو « الله » كما في اللفظ الآخر للحديث ) ودعاء خصومه إلى النار ؟ ! لقد كان على ابن رجب أن يأخذ بنصيحه أحمد حين فضّل السكوت على الكلام واعتبره « أسلم » ، فقد يكون أسلم له ولمعاوية وصحبه من التنقيص من مقام رسول الله ( ص ) والحطّ من كلامه وتحريفه والتلاعب به . الموقف الخامس : إنّ مسألة التعاطي مع المتخاصمين في صدر الإسلام من الصحابة ومناقشة الخلافات التي وقعت بينهم والحكم على أطرافها شغلت حيّزاً واسعاً من التاريخ العقائدي والسياسي الإسلامي ، وقد أفرزت تلك المناقشات مجموعة من النظريات بشأن عدالة الصحابة ومعايير الحكم عليهم ، كان من أبرزها اتّجاهان : اتجاه يذهب إلى القول بتصويب أفعالهم واعتبارهم مجتهدين مخطئين . واتجاه آخر يذهب إلى عدم التصويب وأن الواقع والحقيقة لا تعدو أن تكون أمراً واحداً من يتجاوزه فهو آثم وإن كان مخطئاً . إن الاتّجاه الأخير يمثّل موقف مدرسة أهل البيت ( ع ) والكثير من علماء المسلمين ، في حين إنّ الاتجاه الأوّل يتمسّك به أغلب علماء أهل السنّة ولا سيما مدرسة أهل الحديث منهم .