السيد كمال الحيدري

280

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

وقد اتّضح مما تقدّم أن الاعتذار الرئيسي الذي يقدّمه البعض لردّ الطعون الموجّهة إلى بعض الصحابة ينطلق من هذا الاتّجاه ، حيث يصرّح هؤلاء المعتذرون بأن جميع الصحابة مجتهدون متأوّلون ، وكلّ مجتهد منهم مأجور ، فإن أصاب الواقع والحقيقة فإن له أجرين ، وإن أخطأهما فله أجر . ونفس الكلام قيل عن معاوية ومواقفه مع الإسلام والإمام علي ( ع ) وحروبه معه وتمزيقه لوحدة المسلمين وتصرّفه بأموالهم وحقوقهم . إنّ مناقشة هذا الاتّجاه في قضيته الرئيسية وهي مقولة ( أن المجتهد والمتأوّل المخطئ - وفي جميع القضايا ، الأعمّ من الفكرية والشرعية - مأجور ) تُخرج هذا البحث عن أهدافه ؛ إذ إنّ تفاصيل هذه المقولة واسعة ومتشعّبة وبعض جوانبها صحيحة ولا اعتراض عليها ، وعليه فالدخول في هذه العجالة في مناقشة جميع أبعاد النظرية عمل غير صائب ، والأفضل أن نكتفي بالإشارة إلى نقطة الخلاف الجوهرية التي نعتقد أنّ هؤلاء السادة وقعوا فيها ، إذ إننا نرى أنّ المسألة الأهمّ في تسويغ الاجتهاد والاعتذار للمجتهد المخطئ إنّما تكون بعد التحقّق من كون هذا الاجتهاد والتأويل الخاطئ موافقاً للمعايير الشرعية ومتطابقاً مع اشتراطاتها في تحرّي الحقّ والحقيقة والفحص الدقيق والمخلص عن أبعاد الموضوع المؤوَّل أو المجتهَد فيه . وعليه ، فحتّى لو سلّمنا بصحّة المنطق المشار إليه من الناحية النظرية العامّة ، فإنّ التسليم بصحّة التطبيقات يقتضي منّا بحثاً موسّعاً حول واقع تلك التطبيقات ومدى صحّة كونها مصداقاً حقيقياً ل - ( الاجتهاد ) ، هذا إذا فهمنا من هذه الكلمة أكثر من مجرّد الرأي ، وإلَّا بات كلّ رأيٍ - حتّى ولو كان معبّراً عن استحسان أو رغبةٍ أو هوى أو نزوة - اجتهاداً مشروعاً يثاب عليه صاحبه ! وهو ما لا يسع أحداً الالتزام به مهما كان متعاطفاً مع هذا الصحابي