السيد كمال الحيدري

278

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النار » هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أوّل أمره : « اللهم إن العيش عيش الآخرة . . . فاغفر للأنصار والمهاجرة » ، ومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة : « اللهم لولا أنت ما اهتدينا . . . ولا تصدّقنا ولا صلّينا » ) « 1 » . بهذا المقدار تكتمل أركان شرح ابن رجب للحديث ! ففقرة : « تقتله الفئة الباغية » مطعون في سندها . ولو صحّت ، فإن السكوت عن معناها « أسلم » . أما فقرة : « يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النار » فإنها لا تعدو أن تكون ارتجازاً ! ! لقد تعرّضنا فيما سبق من هذه الدراسة إلى طبيعة شخصية النبي ( ص ) ومكانة ما يصدر عنه بحسب منطق القرآن وبحسب بيانات النبي ( ص ) نفسه ، وقد أشرنا حينها إلى أن البعض ، وبدافع من الغيرة على بعض رموز البيت الأموي ، ينزل برسول الله ( ص ) عن مكانته التي وضعه الله تعالى فيها حرصاً منهم على حفظ جانب الأمويين وعدم الطعن عليهم ، وقد ذكرنا تطبيقاً على ذلك محاولاتهم في تأويل الحديث النبوي « لا أشبع الله بطنه » . . وها نحن نجد في حديثنا محلّ البحث نموذجاً جديداً لذلك النمط من التعامل مع شخصية رسول الله ( ص ) . إنّ هذه المحاولات جميعها تتغذّى من منبعٍ واحدٍ وهو إفقاد الخطاب النبويّ جدّيته ، والانحراف بدلالته من القصدية التي يمليها واقع حال

--> ( 1 ) ابن رجب ، فتح الباري ، تحقيق : محمود بن شعبان وآخرين ، مكتبة الغرباء ، المدينة المنورة - دار الحرمين ، القاهرة ، ط 1 ، 1417 ه - - 1996 م : ج 3 ، ص 311 .