السيد كمال الحيدري

276

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

وبناءً على ما تقدّم فإنّ إطلاق المباركفوري القول باختلاف الروايات في تحديد قاتل عمّار ليس صحيحاً ، فإن المشهور أنه أبو الغادية الجهني ، وحتى لو سلّمنا باختلاف الروايات في تحديد القاتل فإنها لا تختلف في كونه من أصحاب معاوية وجيشه ، فلا معنى للافتراض أن القاتل من « قتلة عثمان » تلبيساً على القارئ ليتصوّر كونه من جيش الإمام علي عليه السلام . وثانياً : إنّ ما ذهب إليه المباركفوري من أنّ عمّاراً قُتل ( في الليل بعد اشتباك الظلام ) ليثبت بذلك أن قاتله غير معروف ، غير صحيح . بل الصحيح أنه قتل بعد أن « جنحت الشمس للغروب » ونحن نميّز جيداً بين أوّل الغروب وبين « الليل واشتباك الظلام » . قال ابن سعد في طبقاته : ( أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثني عبد الله بن أبي عبادة ، عن أبيه ، عن لؤلؤة مولاة أمّ الحكم بنت عمّار بن ياسر ، قالت : لما كان اليوم الذي قُتل فيه عمّار ، والراية يحملها هاشم بن عتبة ، وقد قتل أصحاب عليّ ذلك اليوم حتى كانت العصر ، ثم تقرّب عمّار من وراء هاشم يُقدِّمه وقد جنحت الشمس للغروب ، ومع عمّار ضيح من لبنٍ ، فكان وجوب الشمس أن يفطر فقال حين وجبته الشمس وشرب الضيح : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : آخر زادك من الدنيا ضيح لبن . قال : ثم اقترب فقاتل حتى قُتل ) « 1 » . وثالثاً : أن قتل أصحاب معاوية لعمار لم يكن مجرّد تهمة أُلصقت بهم ، بل

--> ( 1 ) ابن سعد ، أبو عبد الله بن منيع البصري ، الطبقات الكبرى ، تحقيق : محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1410 ه - - 1990 : ج 3 ، ص ص 195 - 196 . وعنه : المزي ، تهذيب الكمال : ج 21 ، صص 225 - 226 . وانظر أيضاً : أبن كثير ، البداية والنهاية : ج 10 ، ص 535 . فإنّ كلامه يفيد أنّ مقتل عمّار كان قبل حلول الظلام .