السيد كمال الحيدري
269
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
الموقف الأوّل : إن أوّل تلك المواقف يطالعنا به إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل ، فقد تقدّم النقل عنه في أحد موقفيه أنه يفضّل الصمت والسكوت على الخوض في دلالة هذا الحديث ، ويرى ذلك « أسلم » للمرء على دينه من التعرّض لنقد من جاء الحديث فيهم وتقييمهم في ضوء فحواه . وهو موقف ليس جديداً من ابن حنبل الذي عرفنا سابقاً حساسيّته الفائقة من الكلام في أيّ حديث يتعرّض بسوءٍ لمعاوية ، كما في الحديث النبوي « لا أشبع الله بطنه » الذي كانت تنتاب ابن حنبل جرّاء سؤاله عنه موجات من الغضب لا نجدها لديه في تعاطيه مع الأحاديث الأخرى التي تتناول صحابة آخرين . ولقد تولّد عن موقف ابن حنبل هذا الداعي إلى السكوت وتفضيله ، نمطٌ جديدٌ من معالجة هذا الحديث ، بل جميع حروب معاوية وعصيانه ، بات يعرف بكونه « أدباً » . ف - « التأدّب » بما سنّه ابن حنبل أفضى بعدد من الشرّاح لهذا الحديث إلى الامتناع عن وصف « أهل صفّين » ب - « البغي » والاكتفاء بوصفهم بأوصاف أخرى محايدة أو نعوت لا تتضمّن « حكماً » شرعياً أو أخلاقياً في طبيعة موقفهم . ففي رأي أبي الحسن علي بن خلف ابن بطّال ( 449 ه - ) - تبعاً للمهلّب أبي القاسم ابن أبي صفرة الأندلسي ( ت 435 ه - ) - في شرحه لصحيح البخاري : أنّ الداعين والمدعوِّين في المقطع الأوّل والثاني من قوله ( ص ) : ( يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) هم أهل مكّة الكفار ! ولا يصحّ البتّة أن يقصد بهم المسلمين أو الصحابة ؛ إذ هؤلاء مؤمنون بالله فكيف يُدعَون إليه ؟ وإنّما يُدعى إلى الله من كان خارجاً من الإسلام « 1 » .
--> ( 1 ) ابن بطّال ، شرح صحيح البخاري ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 27 .