السيد كمال الحيدري

260

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

نقل الأخباريون : أن معاوية تأوَّل الخبر تأويلين : أحدهما : أنه قال بموجب الخبر فقال : نحن الباغية لدم عثمان رضي الله عنه ، أي : الطالبة له . وثانيهما : أنه قال : إنّما قتله من أخرجه للقتل ، وعرّضه له . وهذان التأويلان فاسدان : أما بيان فساد الأوّل : فالبغي وإن كان أصل الطلب فقد غلب عرف استعماله في اللغة والشرع على التعدّي والفساد ، ولذلك قال اللغويون - أبو عبيدة وغيره - : البغي : التعدّي . [ . . . ] وإلى حمل اللفظ على ما قلناه صار عبد الله عمرو بن العاص وغيره يوم قتل عمار ، وأكثر أهل العصر ، ورأوا : أن ذلك التأويل تحريف . سلّمنا نفي العرف ، وأن لفظ « الباغية » صالح للطلب وللتعدّي ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الفئة الباغية في هذا الحديث في معرض إظهار فضيلة عمّار وذمّ قاتليه . ولو كان المقصود البغي الذي هو مجرّدٌ ، لما أفاد شيئاً من ذلك ، وقد أفادها بدليل مساق الحديث ، فتأمَّلْه بجميع طرقه تجده كذلك . وأيضاً فلو كان ذلك هو المقصود لكان تخصيص قتلة عمّار بالبغي الذي هو طلب ، لا فائدة له ؛ إذ عليٌّ وأصحابه طالبون للحقّ ولقتلة عثمان لو تفرّغوا لذلك ، وتمكّنوا منه ، وإنّما منعهم من ذلك معاوية وأصحابه بما أبدوا من الخلاف ، ومن الاستعجال ، مع قول عليّ لهم : ادخلوا فيما دخل فيه الناس ، ونطلب قتلة عثمان ، ونقيم عليهم كتاب الله . فلم يلتفتوا لهذا ، ولا عرَّجوا عليه . [ . . . ] وأمّا فساد التأويل الثاني فواضح ؛ لأنه عدل عمّن وُجد القتل منه إلى من