السيد كمال الحيدري
148
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
النقطة الثالثة : إنّ هذه الظاهرة نمَت وتوسَّعت في عصور الخلفاء بعد رحيل رسول الله ( ص ) ، وقد كان لسياسة منع تدوين الحديث التي أسّس لها الخليفة الثاني تأثيرها في ذلك ؛ إذ إنّها فسحت المجال لبعض الوضّاعين ليدسّوا بعض الأحاديث المزوَّرة والكاذبة وفبركة بعض الأسانيد الوهمية ، لاسيّما بعد أن خلا الجو لأمثال هؤلاء الوضّاعين بوفاة كثير من الصحابة أو خروجهم إلى الجهاد . أما مع وصول الأمر إلى بني أميّة وتسلّم رجالات البيت الأمويّ لمقاليد الخلافة ، فإنّ هذه الظاهرة اتّسعت بنحوٍ أكبر وأخذت اتّجاهاً أكثر خطورة ، وذلك من خلال ضلوع نفس هذا البيت في تكريسها وتوسيع رقعتها واصطناعهم مجموعة من المأجورين في البلاط للتحديث بأحداث مكذوبة على رسول الله ( ص ) بدواعٍ وأغراض عديدة ، من أهمّها : كسب الشرعية السياسية وتلميع صورة رجالات هذا البيت الذين لم تحتفظ الذاكرة الإسلامية لهم حتى ذلك الوقت إلا بالعداء للدعوة الإسلامية والمكر الشديد لشخص قائدها النبيّ الأعظم ( ص ) ؛ من هنا كان التحديث بتاريخ جديد لهذه الدعوة ودورٍ وهميٍّ ومزوَّر لرجالات البيت الأمويّ في تأييدها ونصرتها ، يعود بأنفع النتائج عليهم وعلى شرعية حكمهم . وقد كان ممّن أشار إلى هذه الظاهرة من مؤرّخي الإسلام الأديب والأخباري الشهير عزّ الدين عبد الحميد بن هبه الله ابن أبي الحديد المدائني في شرحه لنهج البلاغة في ذيل الخطبة رقم « 210 » . ويطيب لي أن انقل كلام أمير المؤمنين الإمام علي ( ع ) في هذه القضية ، وهو كلام يوجز المسألة برمّتها وبتفصيلٍ دقيق جدّاً ، ثمّ أقتبس بعض ما علّق به ابن أبي الحديد في هذا الشأن :