السيد كمال الحيدري

81

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

نحو مكثّف ، وتثبت إطلاق الإرادة والمشيئة والملكية والسلطنة الإلهية ، بما لا يدع مجالًا للشك في انضواء الأفعال الإنسانية تحتها ، من دون أن يعنى ذلك جبراً كما توهّمت المجبرة ، التي تعثّرت بها خطاها والمفوّضة في الرسو على مركب نظرىّ يجمع بانسجام ودونما تعارض بين الإرادة والمشيئة والسلطنة الإلهية المطلقة وبين نفى الجبر والتفويض معاً . فالمشكلة تكمن دون ريب في عجز هذه الاتجاهات التي ابتعدت عن منابع المعرفة الصافية في الرسو على الصياغة المنسجمة ، فعهدت بالأمر إلى نفسها ، وكانت النتيجة هذا التخبّط الأعمى بين الجبر والتفويض . هذا المعنى المتوازن للجمع بين البُعدين ، يصوّره الإمام أمير المؤمنين علي بن أبى طالب على أوضح وجه في حديثه إلى عباية بن ربعي الأسدي عندما سأله عن الاستطاعة في الحديث المشهور ، فعلّمه الإمام عليه السلام : « تقول : إنّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك ، فإن ملّككها إيّاك كان ذلك من عطائه ، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه ، هو المالك لماملّكك ، والقادر لما عليه أقدرك » « 1 » . فالاختيار الإنسانى لا ينبغي أن يوهم الإنسان بالانقطاع عن المالك الحقيقي ومصدر القدرة المطلقة وصاحب الإرادة والمشيئة غير المتناهيتين . فإذا قدر الإنسان على شئ ، لا تخرجه هذه القدرة عن قدرة الله ، وإذا ملك شيئاً ، لا يخرجه ذلك عن ملك الله ، بل كلّ شئ يجرى بمشيئة الله وإرادته وقدرته وتحت سلطانه وملكه . يدلّ على ذلك قوله سبحانه : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ « 2 » ، وقوله : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلًا « 3 » وقوله : وَلَوْ

--> ( 1 ) بحار الأنوار : مصدر سابق ، ج 5 ، ص 24 ، ح 30 . ( 2 ) البقرة : 253 . ( 3 ) آل عمران : 145 .