السيد كمال الحيدري
71
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يصدر الظلم من الله سبحانه عبر الإنسان ومن خلال فعله ثمّ يعاقبه الله على ذلك ، بل لابدّ أن تنقطع الصلة تماماً بين الله وبين الفعل الإنسانى حتّى يصحّ العقاب ويستقيم العدل ، ومن ثمّ لابدّ أن يكون الفعل صادراً من العبد على نحو الاستقلال التامّ من دون شائبة نسبة إلى الله ، ليكون الإنسان مسؤولًا عن أفعاله ، ويصحّ الجزاء ثواباً وعقاباً . إذن حرص المعتزلة على العدل الإلهى هو الذي دفع بهم إلى رفض أىّ صلة للفعل الإنسانى بالله سبحانه ليصار إلى تصحيح الثواب والعقاب على أساس استقلال الإنسان وحرّيته في فعله ، ومن ثمّ يكون الجزاء الإلهى عدلًا . هذا المعنى أشارت إليه أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، منها ما جاء عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : « مساكين القدرية ، أرادوا أن يصفوا الله عزّ وجلّ بعدله ، فأخرجوه من قدرته وسلطانه » « 1 » . والقدرية في النصّ الشريف هي إحدى تسميات المعتزلة . إنّ الحديث ليشير صراحة أنّ المعتزلة وإن حرصت على حريم العدل الإلهى ، إلّا أنّها سقطت في محذور أشدّ ، عندما أخرجت الله عن قدرته وسلطانه . وبذلك لم يختلف المعتزلة عن الأشاعرة في التطرّف ببعدٍ على حساب تضييع البُعد الآخر ، ولم تفلح بتقديم مركّب نظرىّ متوازن في الفكر التوحيدي يحفظ الأبعاد المختلفة . إلى هذا أشار عدد من الباحثين والناقدين . ففي « الميزان » : « والمعتزلة وإن خالفت المجبرة في اختيارية أفعال العبد وسائر اللوازم ، إلّا أنّهم سلكوا في إثباته مسلكاً لا يقصر من قول المجبرة فساداً . . . ثمّ وقعوا في محاذير أخرى أشدّ ممّا وقعت فيه المجبرة » « 2 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 54 ، ح 93 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 100 .