السيد كمال الحيدري

57

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

نظرية الكسب : تكييف جديد للموقف الأشعري في نصٍّ مرّ علينا لصاحب « الملل والنحل » يصنّف به الجبرية إلى أقسام ، منها الجبرية غير الخالصة أو الجبرية المتوسّطة ، يذكر من فرقها النجّارية والضرارية « 1 » . لقد أدرك هؤلاء خطورة لوازم المقالة الجبرية ومصادمتها لبداهة الوجدان وفلسفة البعثة والأديان ، فمالوا إلى صياغة فكرية تسعى للجمع بين خلق الله للأفعال خيرها وشرّها وبين إثبات أثر معيّن للقدرة الحادثة في الفعل . على أساس هذا الميل ولدت نظرية الكسب في أوساط بعض الفرق المحدودة في حياة المسلمين كالنجّارية والضرارية ، ثمّ ما لبثت أن تحوّلت إلى نظرية مشهورة بتبنّى الأشعرية لها . والنظرية في جوهرها هي تعبير عن تكييف جديد للموقف الأشعري يسعى لتصحيح المسؤولية والتكليف والأوامر والنواهي ، وتبعاً لذلك الثواب والعقاب ، لكي تحافظ المنظومة الدينيّة على معنىً عقلانىّ تؤدّيه من خلال فلسفة البعثة والنبوّة والرسالة . بعبارة أوضح لقد جاءت نظرية الكسب كبادرة تصحيحيّة للجبر المحض ، ومحاولة للتخفيف من لوازمه الخطيرة في المجالات كافّة ، من خلال إيجاد موازنة بين الفعل والإنسان ، إذ بقيت الأشعرية متمسّكة في مجال الفعل بموقفها القاضي أنّ الله سبحانه خالق أفعال الإنسان حقيقة ، وأنّ الإنسان مكتسب لها . هذا ما رامته النظرية ، أمّا مدى ما حقّقته من نجاح فهو أمر يرتبط بتقويمها أكثر ممّا يرتبط بالأمانى والادّعاءات . إنّ أوّل ما تواجهه نظرية الكسب الاختلاف الكبير الذي ثار في معناها عند أهل النظرية أنفسهم . فقد اختلفوا في المراد منها اختلافاً كبيراً ، وصاروا مذاهب‌شتّى بحيث اكتسبت تفاسير واتجاهات متعدّدة . في هذا الضوء ما ذكره‌الشيخ محمّد

--> ( 1 ) الملل والنحل ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 85 .