السيد كمال الحيدري

436

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

جميع المقدّمات النظرية التي سلفت إليها الإشارة في فقرات البحث ، بالأخصّ فيما ذهب إليه من أنّ هذا الخليفة تلقّى عن الله سبحانه مباشرةً ، ثمّ قام بتعليم الملائكة التي سجدت له بأمر ربّها ، وأنّه واسطة الفيض بين الله وعالم الإمكان ، وهو مظهر أسماء الله جميعاً ، ومظهر الاسم الأعظم أيضاً . نعود مرّة أخرى إلى القرآن الكريم الذي يسجّل بوضوح أنّ الأنبياء والمرسلين هم قدوة البشر ، وهم أكمل من اختارهم الله واصطفاهم لنفسه ، وهم المخلَصون الذين استخلصهم الله ، والخليفة هو منهم دون شكّ ، ولكن من هو مصداقه الأتمّ ؟ يقرّر القرآن على نحو القاعدة العامّة أنّ الأنبياء والمرسلين يتفاضلون فيما بينهم ، قال الله سبحانه : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ « 1 » وقال : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ « 2 » . فإذن هناك تفاضل بين الرسل في المقامات وإنّ أفضل الأنبياء جميعاً هم أولو العزم من الرُّسل : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ « 3 » . وعند العودة إلى القرآن نجده حدّد أولى العزم من الرسل بأسمائهم ، كما يدلّ عليه قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ « 4 » حيث اتّفقت كلمة المسلمين على أنّ هؤلاء الخمسة الكرام هم الأنبياء أولو العزم الذين ذكرهم القرآن . ومع أنّ البحث التفسيري شهد اختلافاً بيّناً في تحديد المقصود من الخليفة في آية سورة البقرة ، إلّا أنّ بعضهم حسم موقفه بأنّ المراد منه هو آدم أبو البشر سلام الله عليه . ولكن يمكن بسهولة دفع هذا الاستنتاج من خلال القرآن الكريم نفسه الذي يسجّل : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 5 » إذ

--> ( 1 ) الإسراء : 55 . ( 2 ) البقرة : 253 . ( 3 ) الأحقاف : 35 . ( 4 ) الأحزاب : 7 . ( 5 ) طه : 115 .