السيد كمال الحيدري

422

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

هو من الوجه الرابع من الوجوه الخمسة التي ذكرها الراغب ، ومن ثمّ فهو يتعدّى إلى مفعولين . يقول الفخر الرازي : « جاعل من جعل الذي له مفعولان » « 1 » . كما يقول السيّد الآلوسي في « روح المعاني » : « جاعل اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير ، فيتعدّى لاثنين » « 2 » . على أنّ هذه الحقيقة المتمثِّلة في دوام الجعل الخلافى واستمرار وجود الخليفة يتّضح أكثر فأكثر بملاحظة الآيات المناظرة لهذه الآية ، كما في قوله سبحانه : جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا « 3 » ، وقوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً « 4 » ، وقوله : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً « 5 » فهذه الآيات لا تتحدّث عن أوضاع مؤقّتة زائلة في الوجود ، بل تتحدّث عن سنن إلهية في نظام التكوين وعناصر ثابتة في الهندسة الكونية . وكذا الحال في قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً « 6 » فالقرآن كان وما يزال وسيبقى عربيّاً . هكذا الحال بالنسبة للجعل الخلافى ، فالآية تريد أن تقول بأنّه لا يرتبط بزمن معيّن ولا مكان خاصّ ، بل هو من قبيل السنن الإلهية التي لا تتبدّل ولاتتغيّر . أودّ هنا أن أستبق الشواهد الروائية الدالّة على هذا المعنى بنصّ أقتبسه من صاحب « روح المعاني » له دلالة مشبعة على هذه النتيجة ، حيث يقول أثناء تفسيره للآية نفسها : « ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام ، بل متى فارق هذا الإنسان العالم مات العالم لأنّه الروح الذي به قوامه ، فهو العماد المعنوي للسماء ، والدار الدُّنيا جارحة من جوارح جسد

--> ( 1 ) التفسير الكبير ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 165 . ( 2 ) روح المعاني ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 220 . ( 3 ) النحل : 81 . ( 4 ) نوح : 16 . ( 5 ) البقرة : 22 . ( 6 ) الزخرف : 3 .