السيد كمال الحيدري
407
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
رجلًا علم اللغة ثمّ يباهى به ويُتمّ الحجّة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، بأنّ هذا خليفتي وقابل لكرامتى دونكم ؟ ويقول تعالى : أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم للإفهام والتفهيم إن كنتم صادقين في دعواكم أو مسألتكم خلافتي ؟ » « 1 » . ثمّ يلج الطباطبائي الموضوع من زاوية أخرى ترتبط بالبُعد الوظيفى للّغة ، فاللغة وسيلة إيصال لمقاصد القلوب ومعرفة بها ، والملائكة في غنى عنها لأنّها تتلقّى المقاصد دون واسطة ، لذلك يضيف مستأنفاً : « على أنّ كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلّم ، وإنّما تتلقّى المقاصد من غير واسطة ، فلهم كمال فوق كمال التكلّم . وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى ، فأحد الأمرين كان ممكناً في حقّ الملائكة وفى مقدرتهم دون الآخر ، وآدم إنّما استحقّ الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء دون إنبائها ، إذ الملائكة إنّما قالوا في مقام الجواب : سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا فنفوا العلم » « 2 » . فما كان في مقدرة الملائكة وطاقتهم الوجودية هو تلقّى الإنباء عن آدم دون التعلّم ، وبذلك استحقّ الموجود الأرضي الخلافة الإلهية وتبوّأها دون الملائكة . فبتعلّم الخليفة الجديد هذا العلم وحمله له استحقّ الخلافة الإلهية ، ثمّ استحقّ أن تسجد له الملائكة إثر ذلك : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ . على أنّ في الآية الكريمة نقطة بالغة الأهمّية تتمثّل بموقع العلم وأهمّيته ، فبالعلم حاز هذا الموجود موقعه الوجودي الذي أهّله لكي تسجد له الملائكة أجمعون ، وإلّا ليس هذا الموجود في مادّته غير قطعة صلصال من حمأ
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 117 116 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 117 .