السيد كمال الحيدري
408
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
مسنون ، ثمّ رفعه علمه الذي تعلّمه عن الله ربّ العالمين إلى الذروة في نظام الوجود . يقول سبحانه : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ . . . « 1 » . من عظيم المعاني التي تحتشد في الآية أنّ الملائكة سجدت لهذا الموجود الأرضي لا لخصوصية مادّته التي خُلق منها ، بل لما حمله وعبّرت عنه الآية بقوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى . فبهذا استحقّ سجود الملائكة أجمعين كما يفيد قوله : فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ إذ علاوة على أنّ اللفظ جمع محلّى بالألف واللّام فيفيد الشمول ، جاء استعمال الآية لأداة تفيد العموم والشمول ، هي « كلّهم » فزاد التأكيد تأكيداً ، ثمّ عاد يؤكّده بالمزيد في قوله مجّدداً « أجمعون » ممّا يفيد جزماً عدم تخلّف أحد من الملائكة في السجود للخليفة الأرضي . إلى هذا ذهب أكثر المفسّرين على ما يومئ إليه قول الرازي في تفسيره : « قال الأكثرون إنّ جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم » « 2 » ثمّ ذكر الأدلّة التي احتجّوا بها على رأيهم . معنى السجود اشتغل البحث التفسيري والكلامى على المقصود من سجود الملائكة لآدم فولّد كلاماً كثيراً اندرجت تحته آراء واحتمالات متعدّدة « 3 » . فما المقصود من السجود ؟ أهو معناه العبادي الشرعي أم مدلوله اللغوي أم غير ذلك ؟
--> ( 1 ) الحجر : 32 28 . ( 2 ) التفسير الكبير ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 238 . ( 3 ) ينظر بعض هذه الأقوال في : التفسير الكبير ، ج 2 ، ص 212 فما بعد ؛ روح المعاني ، ج 1 ، ص 228 فما بعد ؛ الميزان ، ج 1 ، ص 122 فما بعد .