السيد كمال الحيدري

403

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

وعليه إذا نهض الخليفة بالشؤون الوجودية ذاتها التي توجد للمستخلِف الذي هو الله سبحانه فإنّ ذلك لا يعنى التفويض مطلقاً لأنّ التفويض في نظام التكوين ليس باطلًا بالأدلّة النقلية والعقلية وحسب ، بل هو ممتنع عقلًا . على هذا لا تتنافى الخلافة التي يتحدّث عنها البحث مع حضور الله سبحانه وقدرته وإحاطته بكلّ شئ ، ولا تتعارض مع قيوميّته المطلقة : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ « 1 » ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ « 2 » . السؤال الثاني : مساحة الخلافة ومداها : إنّ هذا الموجود الذي ثبتت له الخلافة بمقتضى قوله سبحانه : إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً هو موجود أرضىّ بقرينة قوله : فِى الْأَرْضِ ، كذلك بقرينة ما فهمه الملائكة حين قالوا : قَالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ حيث لم يَنْفِ القرآن سفك الدماء ، ولا نفى تسبيح الملائكة وتقديسهم ، بل أقرّهم على الأمرين معاً ، وبتعبير الطباطبائي : « إنّه سبحانه لم ينفِ عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء ، ولا كذّب الملائكة في دعواهم التسبيح والتقديس ، وقرّرهم على ما ادّعوا ، بل إنّما أبدى شيئاً آخر وهو أنّ هناك أمراً لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحمّله ، وتحمّله هذا الخليفة الأرضي » « 3 » ، ولهذا قالت الآية في جوابهم : قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . السؤال المطروح على هذا الصعيد : أتختصّ خلافة هذا الموجود الأرضي عن الله سبحانه ببعض الأسماء الإلهية أم تمتدّ لتشمل جميع الأسماء الإلهية « 4 » ؟ بتعبير آخر : أهذا الخليفة مظهر وتجلٍّ وآية لاسم

--> ( 1 ) الحديد : 4 . ( 2 ) البروج : 20 . ( 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 116 . ( 4 ) عند القول إنّ هذا الخليفة مظهر لجميع أسماء الله وصفاته فلا نقصد بذلك كلّ الأسماء والصفات حتى الأسماء المستأثرة ، وإنّما المقصود تلك الأسماء والصفات التي يمكن أن يظهر لها مظهر وتجلّ ، ويمكن أن يخلف الله فيها .