السيد كمال الحيدري
378
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وليس لشئ من الأسباب استقلال بإزاء الله حتّى ينقطع عنه ، على ما ذهبت إليه الوثنية في تفسير تفويض الله تدبير الأمر إلى الملائكة المقرّبين . فالتوحيد القرآني ينفى الاستقلال عن كلّ شئ ، من كلّ جهة : لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً . 4 أخيراً لا منافاة بين شأن الملائكة المتمثِّل بالتوسّط في التدبير وبين ما يظهر من آيات قرآنية أخرى على أنّ بعضهم أو جميعهم مداومون على عبادة الله وتسبيحه والسجود له ، كما في قوله سبحانه : وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ « 1 » ، وذلك لجواز أن تكون عبادتهم وسجودهم وتسبيحهم عين عملهم في التدبير وامتثالهم الأمر الصادر عن ساحة العزّة والجلال بالتوسّط « 2 » . كمصداق محدّد لدور الملائكة كوسائط في التدبير الكوني نقف مع الآيات التالية مفتتح سورة « النازعات » ، حيث قوله سبحانه : وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 3 » . فمع اختلاف البحث التفسيري في تحديد المراد من الآيات الأربع الأولى وتوزّعه على أقوال ، إلّا أنّه لا يخفى ميوله الكبيرة إلى أنّ النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي صنوف من الملائكة ينهض كلّ منها بمهمّة ، إذ قيل مثلًا إنّ المراد من « النازعات » ملائكة الموت تنزع الأرواح من الأجساد ، ومن « الناشطات » الملائكة التي تُخرج الأرواح من الأجساد أيضاً مع فارق أنّ « النازعات » خاصّة بالملائكة التي تنزع أرواح الكفّار من أجسادهم بشدّة ، بينما
--> ( 1 ) الأنبياء : 20 19 . ( 2 ) ما ذكرناه عرض بتصرّف لبحث السيّد الطباطبائي عن الملائكة وأنّها وسائط في التدبير الربوبي . ينظر : الميزان في تفسير القرآن ، ج 20 ، ص 182 فما بعد ، حيث ساق البحث بمناسبة الحديث عن تفسير الآيات الخمس الأولى من سورة النازعات . ( 3 ) النازعات : 5 1 .