السيد كمال الحيدري

377

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

وليس ذلك على سبيل الاتّفاق بأن يُجرى الله سبحانه أمراً بأيديهم ، ثمّ يُجرى مثله بغير توسيطهم ، بل هي سنّة مطّردة لا اختلاف فيها ولا تخلّف : إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا « 2 » . في ضوء هذه الرؤية إلى دور الملائكة في الوجود وأنّها وسائط في التدبير ، يترتّب عدد من النتائج ، منها : 1 من مقتضيات نظام الوساطة أن يكون بعض الملائكة فوق بعض مقاماً ، وما يقوم به العالي منهم من أمر من يليه بشئ من أمور التدبير إنّما هو في الحقيقة توسّط المتبوع بينه سبحانه وبين تابعه في إيصال أمر الله ، تماماً كما هو الحال في توسّط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من الأرواح . يدلّ على هذا النسق التراتبى قوله سبحانه حاكياً عن الملائكة : وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ « 3 » ، وقوله : مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 4 » . 2 مرَّ أنّ معنى توسّط الملائكة في نظام الوجود أنّهم أسباب تستند إليها الحوادث . ولا منافاة بين كونهم واسطة بين الله سبحانه والحوادث ، وبين استناد الحوادث إلى أسبابها المادّية القريبة ، لأنّ السببيّة طولية لا عرضية ؛ أي أنّ السبب القريب سبب للحادث والسبب البعيد سبب للسبب وهكذا . 3 كما ليس هناك تنافٍ بين توسّط الملائكة واستناد الحوادث إليهم ، وبين استنادها إلى الله سبحانه كونه هو السبب الوحيد لها جميعاً على ما يقتضيه توحيد الربوبية بحسب البحث الذي مرَّ . ومردّ ذلك أنّ السببية طولية لا عرضية ، ولا يريد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعيّة القريبة ، والقرآن صدّق الاثنين ؛ استناد الحوادث إلى أسبابها الطبيعيّة كما استنادها إلى الملائكة .

--> ( 1 ) هود : 56 . ( 2 ) فاطر : 43 . ( 3 ) الصافات : 164 . ( 4 ) التكوير : 21 .