السيد كمال الحيدري

356

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يضيف : « وأحرى بالمقامَين أن يُسمّيا عرشاً وكرسيّاً لأنّ فيهما خواصّ عرش الملك وكرسيه ، فإنّ الكرسي : الذي يظهر فيه أحكام الملك من جهة عمّاله وأياديه ، وكلّ منهم يعمل بحيال نفسه في نوع من أمور المملكة وشؤونها ، وربّما تنازعت الكراسي فيقدّم حكم البعض على البعض ونسَخَ البعض حكم البعض ، لكنّها جميعاً تتوافق وتتّحد في طاعة أحكام العرش وهو المختصّ بالملك نفسه ، فعنده الحكم المحفوظ عن تنازع الأسباب غير المنسوخ بنسخ العمّال والأيدى ، وفى عرشه إجمال التفاصيل وباطن ما يظهر من ناحية العمّال والأيادى » « 1 » . يمكن مقاربة المعنى الذي يحويه النصّ في أنّ الكرسي باب ظاهر والعرش باب باطن مع أنّ كليهما علمان غيبيان ؛ بالانطلاق من واقع الأشياء . فللأشياء وجهان ، وجه مرتبط بنا ووجه مرتبط بالله سبحانه ، فالوجه الذي إلينا هو الظاهر من الغيب ، والوجه الذي إليه سبحانه هو الباطن من الغيب ، حيث بيده سبحانه ملكوت كلّ شئ . كما يمكن التقريب بوجه آخر مفاده أن يكون الكرسي هو مقام التفصيل في الأسباب والمسبّبات ، والعرش هو مقام الإجمال ، والمقصود به الإجمال الفلسفي وليس الأصولى . وهذا الوجه هو ما ينمّ عنه نصّ الطباطبائي المشار إليه آنفاً . 3 يتّجه الراوي إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام بالسؤال : « جُعلت فداك فلِمَ صار في الفضل جار الكرسي ؟ قال : إنّه صار جاره لأنّه علم الكيفوفية فيه ، وفيه الظاهر من أبواب البداء وأينيتها ، وحدّ رتقها وفتقها . فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف ، وبمثل صرف العلماء ، وليستدلّوا على صدق دعواهما ، لأنّه يختصّ برحمته من يشاء وهو القوىّ العزيز » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ، ص 167 166 .