السيد كمال الحيدري

355

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

النظر إلى الأسباب الموجودة في عالمنا يلحظ أنّها أسباب متزاحمة متضادّة ، يحاول بعضها أن يُبطل أثر بعض . ومن ثمّ لابدّ وأن يجئ سبب من فوق هذه الأسباب يوجد الالتئام فيما بينها ، ويهدى هذه المتزاحمات للوصول إلى الغاية التي من أجلها خُلقت . بتعبير الطباطبائي : « فوق هذه الأسباب المتزاحمة والإرادات المتغائرة التي لا تزال تتنازع في الوجود ، سبب واحد وإرادة واحدة حاكمة لا يقع إلّا ما يريده ، فهو الذي يحجب هذا السبب بذاك السبب ، ويغيّر حكم هذه الإرادة ويقيّد إطلاق تأثير كلّ شئ بغيره » . ثمّ ينعطف الطباطبائي لتوضيح فكرة تزاحم الأسباب وتضادّها ، وكيف أنّ هذا التزاحم والتضادّ يجرى في إطار إرادة أعلى ، تقود الأمور من خلال هذا التزاحم والتضادّ إلى ما يحقّق غاية أسمى ؛ يوضّح ذلك كلّه بمثال يقول فيه : « وكمثل الذي يريد قطع طريق لغاية كذا ، فيأخذ في طيّه ، وبينما هو يطوى الطريق يقف أحياناً ليستريح زماناً ، فعلّة الوقوف ربّما تنازع علّة الطىّ والحركة وتوقّفهما عن العمل ، والإرادة تغيّر الإرادة ، لكنّ هناك إرادة أخرى هي التي تحكم على الإرادتين جميعاً وتنظّم العمل على ما تميل إليه بتقديم هذه تارةً وتلك أخرى . والإرادتان أعنى سببي الحركة والسكون وإن كانت كلّ منهما تعمل لنفسها وعلى حدتها وتنازع صاحبتها ، لكنّهما جميعاً متّفقتان في طاعة الإرادة التي هي فوقهما ، ومتعاضدتان في إجراء ما يوجبه السبب الذي هو أعلى منهما وأسمى » . الإرادتان المتزاحمتان عند الطباطبائي تنشآن من مقام الكرسي ، أمّا تلك الإرادة السامية الحاكمة على هاتين الإرادتين التي تمارس عليهما التدبير للوصول إلى الغاية ، فهي تتمثّل بالعرش في نظام الوجود . يقول : « فالمقام الذي ينفصل به السببان المتنافيان وينشأ منه تنازعهما بمنزلة الكرسي ، والمقام الذي يظهران فيه متلائمين متآلفين بمنزلة العرش . وظاهرٌ أنّ الثاني أقدم من الأوّل ، وأنّهما يختلفان بنوع من الإجمال والتفصيل ، والبطون والظهور » .