السيد كمال الحيدري

354

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

هما يرتبطان بعالم غيب السماوات والأرض لا بعالم الشهادة والحسّ والمادّة . فالجهة المشتركة بين العرش والكرسي أنّ كليهما من الغيب والباطن لا من الظاهر . لكن في عين وجود هذا القاسم المشترك بينهما وأنّهما من أبواب الغيب هناك جهة افتراق فيما بينهما ، بحيث يصحّ أنّ أحدهما الباب الظاهر والآخر الباب الباطن . والظهور والبطون هنا من الأمور النسبية ، فإذا ما قيس العرش والكرسي إلى عالم الشهادة والظهور فهما من الغيب والبطون . لكن إذا ما قيس أحدهما إلى الآخر في مدى الغيبية فأحدهما أغيب من الآخر ، حتّى ليمكن تصوير هذا الفارق بدرجة أنّ أحدهما بمنزلة الظاهر والآخر بمنزلة الباطن . فالكرسى هو الباب الظاهر من الغيب ، والعرش هو الباب الباطن . ومع أنّهما علمان وبابان إلى الغيب مقرونان ، إلّا أنّ علم العرش أغيب من علم الكرسي ، ومن ثمّ يصير الثاني بمنزلة الظاهر للأوّل . لقد كان للعلماء تعقيبات على هذا الشطر من النصّ الكريم ، منها ما جاء في حاشية كتاب « التوحيد » ، من قوله : « وحاصل كلامه عليه السلام أنّ العرش والكرسي موجودان من الموجودات الملكوتية غائبان عن إدراكنا ، في كلّ منهما علم الأشياء ، ومن كلّ منهما تدبيرها من حيث سلسلة عللها وخصوصياتها ، إلّا أنّ العرش مقدّم في ذلك على الكرسي ، ومن العرش يجرى إلى الكرسي ما يجرى في الأشياء ، كما أنّ عرش السلطان يجرى منه تدبير الأمور إلى الأمير صاحب الكرسي ، ثمّ منه إلى المقامات العامّة المباشرة لأمور المملكة » « 1 » . فالعرش إذن فوق الكرسي ، والكرسي أدنى من العرش . ومرجع هذا التفاوت إلى نظام السببيّة ، فكأن المعنى المراد تصويره أنّ هناك فوق النظام السببى الموجود في هذا العالم نظاماً آخر يدبّر ما في عالمنا من الأسباب . فعند

--> ( 1 ) التوحيد ، الباب الخمسون : العرش وصفاته ، هامش صفحة 322 .